الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٦ - المنكرون لعصمة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ
ولقد ورد نفس هذا المضمون وفي نفس السورة في الآية رقم ١٥٤ إلاّ أنّه ورد فيها بدل قوله: (مالَكَ مِنَ اللّهِ...) قوله تعالى : (إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظّالِمينَ) .
كما ورد مضمون الآية الأُولى في سورة الرعد الآية ٣٧ مع فارق يسير جداً، وهو انّه جاء بدل قوله: (وَ لا نَصِيراً) كلمة (وَلا واق).
إنّ هذه الآيات وما يشابهها من الآيات التي سنذكرها لاحقاً لا تدلّ وبأي شكل من الأشكال على نفي عصمة النبي، وذلك لأنّ القضية الشرطية لا تدلّ إلاّ على الملازمة بين الشرط والجزاء، لا على تحقّق الطرفين، فالآية لا تدلّ على تحقّق الشرط«اتّباع هوى المشركين» و لا تدلّ على إمكان تحقّقه، بل الآية على خلاف المخطئة أدلُّ حيث إنّها تنسجم انسجاماً تاماً مع القول بالعصمة، وهذا شبيه قوله سبحانه لنبيّه: (وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً).[١]
ثمّ يقول سبحانه في الآية التالية: (إِلاّ رَحْمََةً مِنْ رََبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً) .[٢]
ففي الوقت الذي يعلّق سبحانه مشيئته وإرادته في سلب الوحي من النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يطرحها بصورة القضية الشرطية، ومن المعلوم المقطوع به عند الجميع انّ هكذا مشيئة وإرادة لم تتحقّق أبداً وانّه سبحانه لا يستلب من نبيه ما أوحى إليه، بل انّه سبحانه يُتم رسالته وشريعته بواسطة النبي الأكرم.
إنّنا وقبل دراسة وبيان النكتة في هذا النمط من الآيات التي تخاطب النبي
[١] الإسراء:٨٦.
[٢] الإسراء:٨٧.