الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٠ - ٥٢ العفو الإلهي وعصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ
الف: كيف ينسجم العفو مع العصمة؟
ب: كيف يوجه الاعتراض والعتاب الصادر من اللّه لنبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في قوله: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)؟
وللإجابة عن التساؤل الأوّل نقول: إنّ جملة (عَفَا اللّهُ عَنْكَ) يمكن أن تفسّر بمعنيين كلاهما ينطبق على قواعد وقوانين اللغة العربية، ولتعيين أحد المعنيين لابدّ من وجود قرينة تؤيد ذلك المعنى، وهذان المعنيان هما:
١. انّها جملة خبرية حاكية عن شمول عفوه سبحانه للنبي في الزمان الماضي، أي أنّها إخبار عن تحقّق العفو، كما في قولنا: «نصر زيدٌ عمراً» فإنّها جملة خبرية ولكن لا بمعنى الإخبار عن الماضي، وإنّما المراد منها الإنشاء وطلب العفو كما في قوله: «أيّدك اللّه».
فعلى المعنى الأوّل تكون الجملة خبرية والهدف منها هو الإخبار عن تحقّق مفادها، ففي هذه الصورة تكون الآية ـ بنظر البعض ـ تدلّ تلويحاً على أنّ المخاطب بها قد صدر منه فعل استحق العفو الإلهي، ولكنّ هذا الاحتمال باطل جداً ولا أساس له من الصحّة، وذلك لأنّ الإنسان مهما عظم وسمت مرتبته وقداسته وطهارته فإنّه ـ و بالقياس إلى المقام الربوبي ـ يبقى بحاجة إلى العفو الإلهي، بل كلّما ازداد غناه ازدادت حاجته إلى العفو، وكلّما ازداد سعيه ازداد ثوابه، ولا ريب أنّ العارفين والمقرّبين من اللّه سبحانه حينما ينظرون إلى عظم مسؤولياتهم وعظم المقام الربوبي يذعنون بقصور أعمالهم وضآلة عباداتهم وجهودهم، وحينئذ يلجأون وبلا اختيار إلى التضرّع والخشوع وهم ينادونه سبحانه بقولهم: «ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ»، فإذا كانت معاصي و ذنوب الناس العاديّين تحتاج إلى طلب العفو والمغفرة الإلهية، فإنّ ترك الأولى من المعصومين والقيام ببعض