أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٠٥ - جولتنا في جواب المادّيين
وزعموا أنّها دعائم فلسفية، ليست بثابتة ولا مبرهنة، فإنّ قولهم في النتيجة الثانية ليس عندنا صحيح مطلق ولا غلط مطلق، يبطل أساس قولهم، ويصادم نفس بيانهم، لأنّ قولهم هذا ليس عندنا صحيح مطلق ولا ... قد أُلقي إلينا بصورة أنّه صحيح مطلق، وأنّه صادق على وجه الإطلاق، ولو قال القائل: إنّه قد أُلقي على الوجه الصحيح النسبي، وأنّه نفي نسبي، يصير الفساد والتناقض أفحش لأنّه تستلزم أن يكون عامّة الإدراكات غير هذا النفي، صحيحة مطلقة، إذ المفروض أنّ سلب الإطلاق عن الباقي سلب نسبي لا مطلق، ولازم ذلك اتّصاف الباقي بالإطلاق.
والحاصل: أنّ الأمر دائر بين أخذ النتيجة الثانية (ليس عندنا صحيح مطلق إلخ) من قبيل الصحيح المطلق، فيلزم أن يناقض الفرع أصله وتحترق بالثمرة نفس الشجرة وعرقها، وتصادم النتيجة أصل البرهان، فإنّ المادّي اعترف في ضمن نفي الصحة الإطلاقية عن الباقي، بوجود تفكير صحيح
جوابنا عن استدلالهم:
قد أوضحنا فيما تقدم أنّ الصور الذهنية والمفاهيم العلمية أُمور مجرّدة عن المادّة لعدم احتفافها بأحكامها العامّة، إذ نجد العلوم والمعارف ثابتة بعد مضيّ حقب كثيرة، مع أنّ الدماغ وما فيه قد تبدّل إلى غيره واستخلف عن أجزائه أشياء أُخر، ولو كانت الأُمور العلمية عين تلك الأجزاء، لزم انعدامها وتغيّـرها غبّ تغيّـر الدماغ وأجزائه.
أضف إلى ذلك: أنّه لو سلّمنا كون الفكر أمراً مادّياً وأنّه لا وجود له وللمفاهيم الذهنية سوى كونه نفس أجزاء المادّة الدماغية، لكن نقول إنّ تحوّل الطبيعة وتكامل المادة ناموس عام وضروري للطبيعة بأقسامها، وعليه فالتكامل لا يختصّ بتفكير دون آخر، بدماغ دون دماغ، فالانسان بأفراده والذهن بأقسامه، والمفاهيم بشراشرها، متحوّلة متكاملة، متغيّـرة من غير فرق بين دماغ المادّي وتفكيره، والإلهي وتصوّراته، إذ المفروض كون التكامل قانوناً عامّاً وناموساً مطرداً، على نحو الجبر والضرورة في ذات الطبيعة، وليس أمراً اختيارياً