أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٩ - تاريخ المذهب المادّي
الفلسفة، تابعوا هذه المباحث الواصلة إليهم، على أنّ جماعة منهم عاصروا المالطيين وبقوا برهة بعد انقراضهم، وقد عرفت أنّ البحث عمّـا وراء الطبيعة كانت دارجة عندهم.
والهنود والصينيون لهم في تحكيم الفلسفة وعطف الأنظار إلى العلل غير الطبيعية خطوات واسعة، فقد برز منهم فلاسفة قبل ظهور المالطيين وعاشوا مدة بعد اشتهارهم.
والحاصل: أنّك لا ترى مسلكاً فلسفياً طوال هذه القرون وما قبلها وما بعدها إلاّ وقد خاض في البحث عن الإله وصفاته وشؤونه ومجرداته، وهذه كلّها شواهد بيّنة على أنّه لم يكن طوال هذه السنين نظام فلسفي مادي متميّز عمّـا سواه حتى يلوذ به اللائذون، ولم يكن الإلحاد مذهباً فلسفياً تجاه سائر المذاهب الفلسفية.
وأمّا الدهريون فهم الشاكّون في تلك العوالم الغيبية، وهم يزعمون أنّ البراهين الواصلة إليهم من الإلهيين ليست مقنعة، لكن الشاك غير المنكر، والمادي يدّعي أصالة الإنكار وقدمه، والتاريخ لا ينبئ عن وجود تلك الطائفة.
نعم، تهيّأت البيئة الفكرية للرأي المادي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر بصورة قوية وقد أعلن الماديون في هذه الفترة الحرب على الفلسفة الإلهية، وتمخّض الصراع بين الفلسفتين في هذه الفترة عن اتجاه مسلكي ونظام خاص للاتجاه المادي، تجاه سائر المسالك الفلسفية، كل ذلك لعلل ستقف عليها فيما بعد.
وفي هذين القرنين بلغ غرور الماديين إلى حد عجيب، حسبوا أنّ الحقائق المطلقة التي يخضع لها الناس، هي الأحكام التي تصدرها دور