أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢١٣ - المراحل التي لا تتّصف بالصواب والخطأ
وعامّة تلك الأقضية تدور حول الأثر المادّي الموجود في العضو الحاس قبل أن نجعله طريقاً إلى واقع سواه قبل أن نستكشف به عن مرئي يحكى عنه، وهذا المقدار لا يكفي في الاتصاف بالصدق والكذب وإن بلغ ما بلغ ما لم ينضم إليه حديث التطبيق والمقايسة التي هي ثالثة المراحل.
ثالثتها: بعد ما وقفت على المرحلتين وعرفت أنّه ليس من الصدق والكذب فيهما عين ولا أثر هلمّ معي نحاسب المرحلة الثالثة.
إنّ القوة الحاكمة تجد الاختلاف البارز بين الصور العلمية، تجد أنّ بعضها على نظام خاص، لا يوجد إلاّ في ظروف خاصة، ولا يكفي في وجوده اقتراح التفكير الإنساني، وتخيّله، بل يتوقّف على مقدّمات وأُمور وراء اقتراحه. وانّ بعضها منها، لا يتوقّف إلاّ على الاقتراح وإرادة الإنشاء والإيجاد.
فهذا التطور والانقسام، يوقفه على أنّ بعض المدركات الذهنية تلقى إليه من جو آخر، وراء القوى الإدراكية وانّ قسماً آخر، لا يناله الإنسان إلاّ
وعلى ذلك يلزم أن تكون الصورة الذهنية من الجوهر جوهراً، ومن الكمّ كمّـاً، وهكذا، وعلى هذا يلزم أن تترتّب عليها عامّة ما يترتّب على مصاديقها الخارجية وتتّصف الصورة الذهنية بألوان من الأوصاف، وأقسام من الأحكام، أي بأحكام الكمّ والكيف والجوهر مع أنّها ليست إلاّ كيفيّات نفسانية، وليس لها من الآثار غير آثار الكيف النفساني فقط.
وقد أجاب الفطاحل من الفلاسفة عن تلك الشبهة بأجوبة، أوضحها وأحسنها وأتقنها ما حرّره صدر المتألّهين، ونحن نذكر لبّ جوابه بعد حذف مقدماته:
قال: إنّ الجواهر الذهنية ليست جوهراً بالحمل الشائع حتى يترتّب عليها ما يترتّب على الجوهر الذي يعدّ جوهراً بالحمل الشائع، بل هو جوهر بالحمل الأوّلي فلا حظّ لها من الجوهرية سوى كونها مفهوم الجوهر وانّ حد الجوهر وماهيّته يصدقان عليها كما يصدق على المصداق الخارجي ومثلها، الكم والكيف الذهنيّان، فالكم الذهني كم بالحمل الأوّلي لا غير. ولا تترتّب الآثار المترقّبة إلاّ على ما يعد كيفاً أو كماً بالحمل الشائع.