أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٣٢ - حقيقة العلم والإدراك
ينتهي هذا المنظر البديع الذي لا تزيد مساحته على خمسة عشر كيلو متراً بحلقات جبال مترافدة تحسب تلالها المصطفة واحدة بعد واحدة كأسنان المشط.
وفي زاوية من هذا الخميل الرائع ترى منتزهاً معداً، ورجلاً يعطي سيماه أنّه لا يزيد عمره على الأربعين سنة وحواليه عدة أطفال تشعر روابط التشابه بينهم وبينه أنّه أبوهم وهم أولاده موزعين جلوساً على ذلك المنتزه، وأمامهم طبق تفاح يتفاوح طيباً وعطراً.
في هذه الحلقة التنزهية المتشكلة، تجد بعضهم مشغولاً بأكل تفاحته التي بيده، والآخر مشغولاً بشمها، والثالث مع أنّ يده لا تعدم التفاحة التي أعطيها، منطوياً تحت جناح أبيه كالزهرة في حضن الوردة المتفتحة، يريد زائداً على قسمته، والرابع مع أنّه كسائر إخوته لم يعدم نصيبه من التفاح ملقياً بنفسه على الطبق، يريد أن يستأثر على جماعته الباقين.
هذا منظر يطفح بعينيك في أوّل نظرتك.
وتعاود نظراً آخر إلى هذا التمثال، فترى صفحة بيضاء من الكارتون قد تنقّطت بنقط سوداء موزعة على سطحها المتسع، قد تخالفت أشكالاً بالكبر والصغر، والقرب والبعد عن آخر، حسب تمركز النظر من حاشية الصفحة إلى آخر حدودها، وهذا نظر ثانوي غير النظر الأوّلي.
الآن إذا سألك سائل: هل ما ذكرت وصفه من البحيرة والخمائل والأزهار بحدودها الكيلو مترية، وذلك المنتزه الرائع الذي أعدّه الأب وأولاده لترويح أنفسهم في زاوية من ذلك الروض الوسيع، هل له وجود واقعي في التمثال الذي حملته بيدك واستعرضته وهي في يمينك بحدثة بصرك؟ ـ حتماً ـ تجيب: لا.