تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٢١
بالأمارة [١] ، أما ترون [٢] كيف فضح مستورهم؟ وأمطر بواكر الهوان عليهم بتبديل سرورهم؟ فأصبحوا بعد [٣] خفض عيشهم ولين رفاهيتهم في روح بين مصايد النعم ومدارج المثلات؟
فقال له الرشيد : قدك ، قد سللت علينا لسانك ، وهو أمضى سيفيك ، قال : هو لك إن قبلت ولا عليك؟ قال : فهل من حاجة خاصة بعد العامة؟ قال : بعد بذل مكنون النصيحة وتجريد الموعظة؟ أفتأمرني أن أسود وجه موعظتي بالمسألة ، قال : ثم ما ذا؟ قال : النظر في أمور الرعية والقسمة بينهم بالسوية ، قال : ومن يطيق ذلك؟ قال : من تسمّى باسمك ونسب إلى موضعك ، قال : ثم ما ذا؟ قال : الإحسان إلى حرم الله وجيران قبر رسول الله ٦ ، أما والله لو أردت عمارة قبر رسول الله ٦ للزمك في ذلك مئونة ، فاعمر قبر رسول الله ٦ بأولاده وأولاد أصحابه.
قال : فأمر الرشيد بمال للمهاجرين والأنصار والعلوية ، ثم التفت إلى محمّد بن الحسن ، فقال : ناظره بين يديّ حتى أكون فاصلا بينكما ، فإذا اختلفتما في فرع رجعتما إلى أصل ، قال : فالتفت محمّد بن الحسن فقال : يا شافعي ما تقول في رجل تزوج بامرأة ودخل بها ، وتزوج بالثانية ولم يدخل بها ، وتزوج بالثالثة ودخل بها ، وتزوج بالرابعة ولم يدخل بها ، أصاب الثانية أم الأولى ، وأصاب الثالثة عمّة الرابعة ، فقال الشّافعي : ينزل عن [الثانية و][٤] الرابعة من غير أن يلزمه شيء ، ويتمسك بالأولى والثالثة قال : ما حجتك؟ قال الشّافعي : أما الثانية فإن الله عزوجل يقول : (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ)[٥] وأما الرابعة فإن النّبي ٦ نهى أن يتزوج الرجل المرأة على عمتها أو خالتها ، ما تقول أنت يا محمّد بن الحسن؟ كيف استقبل النّبي ٦ القبلة يوم النحر وكبّر؟ قال : فتتعتع محمّد بن الحسن.
فقال عبد الله بن محمّد البلوي : ولو سأله كيف فعل أبو حنيفة لأجابه ، فقال الشّافعي : يسألني عن الأحكام فأجيبه ، وأسأله عن سنّة من سنن رسول الله ٦ يحتاج إليها الصادر والوارد فلا يجيبني ، أفمن الإنصاف هذا؟ قال : فتبسم الرشيد ، وأمر للشافعي بعشرة آلاف دينار ، فخرج الشّافعي ففرّقه على باب داره ، وانصرف مكرما.
[١] تقرأ بالأصل : «بالأمان» واللفظة غير واضحة في د ، وم.
[٢] الأصل : «تروا» وفي د : ألم تروا.
[٣] بالأصل : «ب؟؟؟ ض» تصحيف ، والمثبت عن د.
[٤] ما بين معكوفتين استدرك عن هامش الأصل ، وبعده صح.
[٥] سورة النساء ، الآية : ٢٣.