كتاب البيع - قديري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٩٨
ولو سلمنا أن التعليق شرعي، والاستصحاب جار، فلا بد من أن نلتزم بحكومة هذا الاستصحاب على الاستصحاب التنجيزي المتقدم، لا لكونه أصلا جاريا في السبب والثاني أصلا جاريا في المسبب، فإن ميزان تقدم أصل على أصل ليس ذلك، بل الميزان تنقيح أحد الأصلين موضوع دليل اجتهادي، فيرتفع موضوع الأصل الآخر، لحكومة الدليل الاجتهادي على الأصل، وقد مر هذا مفصلا في المباحث السابقة. ففي المقام استصحاب سقوط الذمة - على تقدير أداء العين - استصحاب في حكم كلي ينتج حكما كليا، وهو سقوط الذمة على ذلك التقدير، فلو أدى العين وجدانا أحرز سقوط الذمة لضم تلك الكبرى الشرعية المستصحبة إلى هذه الصغرى الوجدانية، وعليه فلا شك في سقوط الذمة حتى يجري استصحاب بقاء العهدة.
ونظير هذا ذكرنا في وجه حكومة جميع موارد الاستصحابات التعليقية على التنجيزية [١]، فاستصحاب الحرمة على تقدير الغليان - في المثال المعروف - بضم الغليان وجدانا ينتج حرمة هذا، فلا شك في الحرمة حتى تستصحب الحلية.
وبعبارة أخرى: موضوع دليل الاستصحاب هو الشك، ففي الاستصحاب التعليقي الشك في بقاء الكبرى الشرعية، كالحرمة على تقدير الغليان، أو السقوط على تقدير الأداء، وفي الاستصحاب التنجيزي الشك في الحكم الفعلي، وبعد إحراز الكبرى بالاستصحاب لا يبقى شك في الحكم الفعلي حتى يستصحب [٢].
[١] نفس المصدر: ١٧٣.
[٢] أقول: الدليل كما لا يمكن تكفله بوجود موضوعه كذلك لا يمكن تكفله بنفي
موضوعه، وهذا ظاهر، والمفروض أن دليل الاستصحاب إنما هو بلسان واحد متكفل ببيان
حرمة النقض في مورد اليقين والشك، ولا يعقل إعدام موضوعه في مورد بغرض شموله
لمورد آخر.
وبعبارة أخرى: لو لم يكن في البين دليل على الاستصحاب، لكنا على يقين من الحكم
التعليقي والشك فيه، وعلى يقين من الحكم التنجيزي والشك فيه، وحينئذ إذا لاحظنا دليل
الاستصحاب وعدم إمكان شموله للحكمين معا، كيف يمكننا إحراز شموله للحكم التعليقي؟!
نعم، لو شمله لانتفى موضوع الثاني، إلا أن الشمول أول الكلام.
والحاصل: أن ميزان اليقين والشك في دليل الاستصحاب، اليقين والشك مع قطع النظر عن
هذا الدليل، وهذا موجود في كلا الحكمين. فالصحيح وقوع المعاوضة في موارد جريان
الاستصحابات التعليقية.
وبعبارة أخرى: الحكم بعدم شمول دليل الاستصحاب للحكم التنجيزي بدعوى شموله
للحكم التعليقي. وانتفاء موضوع الاستصحاب في التنجيزي دوري، لأنه لو شمل لكان
كذلك، لكن الكلام في الشمول، والقول بأن موضوع الاستصحاب موجود في التعليقي
فيشمله الدليل، فينتفي موضوع الثاني، لا يجدي نفعا، لأن مع قطع النظر عن شمول الدليل
للتعليقي يشمل التنجيزي أيضا، فلو قدمنا الاستصحاب في التعليقي لانتفى موضوعه في
التنجيزي، لكن السؤال في وجه تقديم الاستصحاب في التعليقي، حتى ينتفي موضوعه في
التنجيزي بإحراز الكبرى بالاستصحاب، بل شمول الدليل للموردين بمرتبة واحدة، ولا
مجال للتقديم حتى تصل النوبة إلى رفع الشك في الآخر. المقرر دامت بركاته.