كتاب البيع - قديري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٩
موقوف على إمكان البعث نحو الطبيعة، ولو كان بعض أشخاصه غير قابل للامتثال، وهذا يظهر من ملاحظة تكليف الكفار والعصاة الذين يعلم بعدم انبعاثهم بالبعث وانزجارهم بالزجر، ولا يصح البعث الشخصي نحوهم، بخلاف البعث القانوني الشامل لهم ولغيرهم.
وبهذا البيان ذكرنا: أن العلم والقدرة ليسا من شرائط التكليف، بل هما من شرائط التنجز، وتفصيل الكلام في محله [١].
ولذا ذكرنا في محله: أن ما استدلوا به - في أن خروج بعض أطراف العلم الاجمالي عن محل الابتلاء من أول الأمر، يوجب انحلال العلم الاجمالي -: من لغوية البعث نحو الخارج عن محل الابتلاء، لعدم إمكان البعث نحوه [٢]، لا يرجع إلى محصل، فإن عدم إمكان الانبعاث نحو شخص خارجي، لا يوجب لغوية القانون، فإن مبادئ القانون أمور مختصة به، وما يصححه ليس إمكان الانبعاث نحو الأشخاص، بل إمكانه نحو الطبيعة - وإن لم يمكن نحو بعض الأشخاص - كاف في تصحيحه.
ففي المقام جعل الخيار قانونا للبيع، موقوف على عدم لغوية هذا الجعل وإن كان في بعض أشخاصه - كالمعاطاة - بلا أثر [٣].
[١] مناهج الوصول ٢: ٢٣ - ٢٩، أنوار الهداية ٢: ٢١٦.
[٢] فرائد الأصول ٢: ٤٢٠ / سطر ١١، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي
٤: ٥٤، نهاية الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) البروجردي ٣: ٣٣٨، درر الفوائد،
الحائري ٢: ٤٦٤.
[٣] أقول: الظاهر أن ما أفاده مد ظله خلط بين قيود الموضوع والمتعلق، ففي المتعلق الأمر
كما ذكره، فإن حرمة شرب طبيعة الخمر ثابتة وإن لم تكن جميع أفراده تحت القدرة، بل لو
لم يكن الموجود إلا خمرا واحدا، مع ذلك تكون الحرمة فعلية، وهذا بخلاف موضوع
التكليف في الواجبات العينية، فإن الالتزام بأن الموضوع هو طبيعة المكلف مناف للالتزام
بعينية التكليف، بل يلزم منه كون التكليف كفائيا، فإنه لا معنى للواجب العيني إلا أن كل
واحد واحد مكلف بالفعل.
لا أقول: يدخل المشخصات في موضوع الحكم، بل أقول بتوجه التكليف إلى كل شخص
في الواجبات العينية، ولو من جهة انطباق عنوان - كالمستطيع - عليه.
ونتيجة ذلك: الانحلال بحسب تعدد الموضوع، والمدعى اشتراط الموضوع بالقدرة، فإن
العاجز غير قابل للبعث والزجر.
وبعبارة أخرى: إن البعث والزجر في الواجبات العينية متعلقان بكل شخص شخص، لا
بالطبيعة المهملة، فلا بد من إمكان الانبعاث لكل واحد واحد لا للطبيعة المهملة، فمع عجز
المكلف عن الامتثال يخرج عن موضوع التكليف، لعدم إمكان الانبعاث بالنسبة إليه، ولذا
بنينا في بحث الترتب على اشتراط التكاليف بالقدرة بلا كلام، وأتممناه في ذلك المقام بما
يتضح به المرام.
هذا، وأما النقض بتكليف العصاة والكفار فليس بوجيه، فإن الكفر والعصيان مستندان إلى
اختيارهم، فكيف يدعى عدم إمكان الانبعاث بالنسبة إليهم؟! وصرف العلم بعدم انبعاثهم
لا يوجب لغوية الجعل، فإن داعي البعث والزجر من قبل الله تعالى، هو اللطف الذي هو داعي
الجعل التكويني أيضا، كما قرر في محله، والعلم بعدم الانبعاث اختيارا غير مناف لذلك، بل
عدم البعث والزجر مناف له، فلا بد منهما (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن
بينة)، ولذا لا لغوية في ذلك وإن كان التكليف شخصيا. وأما البعث والزجر بالنسبة إلى من لا
يمكنه الانبعاث والانزجار، فلغويته أظهر من أن تخفى، فإن مخالفته أو موافقته للتكليف غير
مستندة إلى اختياره، فكيف يقتضي اللطف مثل هذا الجعل؟!
والحاصل: أن الحكم ينحل بتعدد موضوعه، لا بمعنى أنه إنشاءات متعددة حسب تعدد
الموضوع، بل بمعنى أن الحكم المنشأ لكل فرد من المكلفين أو الطبيعة المتكثرة أو الطبيعة
السارية يدور مدار موضوعه سعة وضيقا، فمع عدم إمكان شموله لبعض الأفراد لا يمكن
جعله إطلاقا، لعدم انقداح الإرادة والكراهة عند المولى العالم الحكيم أولا، ولزوم اللغوية
ثانيا.
وقد يقال في مقام دفع ذلك: بأنه يكفي فيه ترتب القضاء والنيابة وغير ذلك من الآثار، ولكن
تصحيح الجعل بهذه الآثار الواقعة في طول الجعل مستلزم لدور ظاهر.
هذا في الأحكام التكليفية، أي ما اشتمل على البعث والزجر، وأما الأحكام الوضعية فجعلها
لا يدور مدار القدرة، كما يعلم من أحكام الضمانات، لعدم البعث والزجر فيها. نعم، لا بد من ترتب
أثر على ذلك، أي كونه موردا لابتلاء المكلف، وإلا يكون الجعل لغوا، وقانونية الجعل
لا تصححه بعد فرض شمول الجعل للواقعة الشخصية أيضا، فالعلم الاجمالي في المثال
منحل، كما هو المعروف. نعم، في مسألتنا هذه لا لغوية أبدا لترتب الأثر على الجعل، فإن
المكلف يتمكن من إعمال الخيار، كما يتمكن من فسخ العقد بطبعه، ولا مانع من جعل
الشارع موضوعين لفسخ العقد في مورد واحد، كما يجعل في العرف علامتان لأمر واحد،
وأمثاله كثيرة في العرف، ولا يعد من اللغو أصلا. المقرر حفظه الله.