كتاب البيع - قديري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٨٧
بظلم للتعذر.
وبعبارة أخرى: بناء على المشهور: من كون المثل ثابتا في العهدة في المثليات، ليس للمالك المطالبة إلا به، والظلم إنما يتصور إذا منع عنه، والمفروض في المقام أن التعذر أوجب المنع. وأما القيمة فليس للمالك المطالبة بها، ولا ظلم في منعه عنها، لعدم الاستحقاق، فما هو مستحق له ممنوع عنه للتعذر، والقيمة غير مستحقة له، فأين الظلم؟! ويمكن توجيه ما ذكره: بأن للمالك تبديل ماله بالقيمة، ومنعه عن ذلك ظلم، فيرفع الدور.
إلا أن هذا لا يستلزم وجوب دفع القيمة، فإنه متفرع على فعلية التبديل، والمفروض المنع عن ذلك، فلا تبديل، مع أنه لا يتصور حق للآخر حينئذ حتى يحكم بلزوم القيمة جمعا بين الحقين، بل بناء على التقريب السابق أيضا لا حق له، فإن تعذر المثل لا يوجب حقا للضامن، بل هذا أمر تكويني طارئ، والجمع بينه وبين حق المالك لو كان يستلزم وجوب دفع القيمة، وكأنه (رحمه الله) أطلق الحق على ذلك مسامحة [١].
ومنها: ما ذكره الشيخ (رحمه الله) أيضا، وهو الآية الكريمة: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) [٢]، بتقريب: أن الالزام بالقيمة حينئذ ليس
[١] أقول: التحقيق: أنه ليس معنى الضمان اعتبار العين في العهدة، ولا اعتبار المثل في المثلي
والقيمة في القيمي فيها، بل الضمان هو ما ذكره الشيخ (رحمه الله) سابقا، وهو عهدة تدارك الخسارة،
وحصول التدارك بالمثل تارة وبالقيمة أخرى أمر آخر غير دخيل في حقيقة الضمان، ومفاد
دليل اليد أيضا ذلك. فعلى ذلك يظهر وجه ما ذكره (رحمه الله) من الجمع بين الحقين، وهو أن للمالك
على الضامن حقا، وهو مطالبة تدارك الخسارة، وللضامن حق وإن كان من باب التسامح،
وهو تعذر المثل، والجمع يقتضي وجوب دفع القيمة.
والظاهر أن هذا هو الصحيح، غاية الأمر في التعذر الدائم ظاهر، وفي التعذر الموقت تكون
القيمة بدل الحيلولة. المقرر دام عزه.
[٢] البقرة ٢: ١٩٤.