كتاب البيع - قديري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧١
جريان استصحاب الإباحة أولا، ثم بنى على حكومة استصحاب السلطنة عليه على تقدير جريانه [١].
ولعل وجه المنع: أن المفروض الترديد في أن الإباحة الثابتة في المقام بالاجماع، هل تكون محدودة إلى زمان الرجوع، أو ممتدة حتى بعد الرجوع؟ فالإباحة المجعولة مرددة بين فردين قصير العمر وطويل العمر، فلا يمكن الاستصحاب في شئ من الخصوصيتين، فإنه في الأول متيقن الزوال وفي الثاني مشكوك الحدوث من أول الأمر، فلا بد من القول بالاستصحاب في كلي الإباحة الجامع بينهما، والجامع بين الإباحتين لا حكم شرعي، ولا موضوع ذو حكم شرعي، بل الحكم الشرعي هو إحدى الخصوصيتين.
وبعين هذا البيان نمنع جريان استصحاب الكلي في الأحكام، فإن الكلي أمر انتزاعي من الحكم الشرعي، لا أنه حكم شرعي بنفسه.
ولعل وجه عدم تسليم الشيخ (رحمه الله) هذا الاستصحاب من جهة الشك في المقتضي، فإن أمر المجعول الشرعي مردد بين ما هو قابل للبقاء وبين ما ليس بقابل له [٢].
[١] المكاسب: ٩١ / سطر ١.
[٢] لا يخفى أن الإباحة ليست إلا نوعا واحدا، واللزوم والجواز ليسا منوعين لها كالملك، بل قد
تزول بالرجوع بحكم الشارع وقد لا تزول، وهذان حكمان لها بحسب الموارد في اعتبار
الشارع لا منوعان لها، فالاستصحاب جار في شخص الإباحة لا كليها.
هذا، ولا يمكن أن يكون هذا وجه عدم تسليم الشيخ (رحمه الله)، فإنه ذكر في استصحاب بقاء الملك
في أدلة اللزوم هذا الذي ذكرناه، مضافا إلى أنه ذكر في الرسائل في الشك في الأقل
والأكثر الارتباطيين: أنه لا يمكن إثبات وجوب الأكثر باستصحاب بقاء الوجوب بعد
الاتيان بالأقل، فإنه من المثبت، ولا يزيد بقاء الوجوب المردد بين الأقل والأكثر تعبدا على
العلم بالوجوب المردد بينهما وجدانا، والحال أنا أجرينا البراءة مع العلم الوجداني، فكيف في
مورد التعبد؟! انتهى محصلا (فرائد الأصول ٢: ٤٦٣ - ٤٦٤).
ويظهر من ذلك: أنه لا إشكال في نظره (قدس سره) أن المستصحب حكم شرعي، غاية الأمر يلزم منه
ما ذكر، مع أنه يمكن أن يقال: إن المستصحب ليس هو الجامع بين الحكمين، ولا واحد من
الخصوصيتين، بل يقال: إنا نعلم بحدوث مصداق من الحكم الشرعي وجدانا، ونشك في بقاء
نفس هذا المصداق، ومنشؤه الترديد في أن المصداق الحادث، هل يكون طويل العمر، أو
قصير العمر؟ فيكون الاستصحاب في الحكم الشرعي.
والحاصل: أن متعلق العلم الاجمالي ليس كليا منطبقا على الطرفين أو الأطراف، بل متعلقه
ليس إلا الخارج، فإنا نعلم بحدوث الحكم الشرعي وجدانا، ونشك في بقاء نفس ذلك الحكم
الشرعي وجدانا، فتتم الأركان، ويستصحب وجود الحكم الشرعي وإن لم يترتب عليه آثار
شئ من الخصوصيتين. فتأمل.
وأما الشك في المقتضي فهو وإن يحتمل أن يكون وجها لعدم التسليم، إلا أن المقام ليس منه،
بل يكون من الشك في الرافع، فإن الإباحة لو لم يرجع فيها تبقى قطعا، فلها مقتضي البقاء،
والرجوع مانع عنه.
وما يقال: من أنه لا يعلم أن حكم الشارع هل هو محدود بما قبل الرجوع أو يعم ما بعده؟
فالشك في حد اعتبار الشارع، فيكون من الشك في المقتضي، مجرد تعبير، فإن منشأ الشك
في بقاء الأحكام في مقام الجعل ليس إلا النسخ وعدمه، ولا معنى لاستصحاب الحكم في
مقام الجعل إلا مع هذا الاحتمال.
فلو شككنا في أن جعل الشارع هل تعلق بالإباحة المحدودة أو غيرها، فلا معنى
لاستصحاب جعل الشارع أصلا. نعم، في مقام المجعول يتصور الاستصحاب، وهو أن
الإباحة سابقا هل تبقى بالرجوع أم لا؟ ولا إشكال في أن الرجوع مزيل لهذه الإباحة،
فيكون الشك في الرافع لا المقتضي، بل يمكن أن يقال: إن في مقام الجعل أيضا الأمر كذلك،
فإن الشارع لم يعتبر الإباحة محدودة أو مطلقة، بل المفروض أنه اعتبر المعاطاة سببا أو
موضوعا للإباحة تأسيسا أو إمضاء، وعلى فرض تأثير الرجوع جعله مزيلا لها، فيكون الشك
في الرافع، لا في المقتضي. والحمد لله رب العالمين. المقرر حفظه الله.