نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٨٥ - أبو الحسن علي بن نافع (زرياب) المغني
وجعل في العود بمنزلة الصفراء من الجسد ، وصبغ الوتر الثاني بعده أحمر ، وهو من العود مكان الدم من الجسد ، وهو في الغلظ ضعف الزير ، ولذلك سمي مثنى ، وصبغ الوتر الرابع أسود ، وجعل من العود مكان السوداء من الجسد ، وسمّي البمّ ، وهو أعلى أوتار العود ، وهو ضعف المثلث الذي عطل من الصبغ وترك أبيض اللون ، وهو من العود بمنزلة البلغم من الجسد ، وجعل ضعف المثنى في الغلظ ، ولذلك سمّي المثلث ، فهذه الأربعة من الأوتار مقابلة للطبائع الأربع تقضي طبائعها بالاعتدال ، فالبم حارّ يابس يقابل المثنى وهو حار رطب وعليه تسويته ، والزير حار يابس يقابل المثلث وهو حار رطب ، قوبل كل طبع بضدّه حتى اعتدل واستوى كاستواء الجسم بأخلاطه ، إلّا أنه عطل من النفس ، والنفس مقرونة بالدم ، فأضاف زرياب من أجل ذلك إلى الوتر الأوسط الدموي هذا الوتر الخامس الأحمر الذي اخترعه بالأندلس ، ووضعه تحت المثلث وفوق المثنى ، فكمل في عوده قوى الطبائع الأربع ، وقام الخامس المزيد مقام النفس في الجسد.
وهو الذي اخترع بالأندلس مضراب العود من قوادم النّسر ، معتاضا به من مرهف الخشب [١] ، فأبرع في ذلك للطف قشر الريشة ونقائه وخفّته على الأصابع وطول سلامة الوتر على كثرة ملازمته إياه.
وكان زرياب عالما بالنجوم وقسمة الأقاليم السبعة ، واختلاف طبائعها وأهويتها وتشعّب بحارها ، وتصنيف بلادها ، وسكّانها ، مع ما سنح له من فكّ كتاب الموسيقى ، مع حفظه لعشرة آلاف مقطوعة من الأغاني بألحانها ، وهذا العدد من الألحان غاية ما ذكره بطليموس واضع هذه العلوم ومؤلّفها.
وكان زرياب قد جمع إلى خصاله هذه الاشتراك في كثير من ضروب الظرف وفنون الأدب ، ولطف المعاشرة ، وحوى من آداب المجالسة وطيب المحادثة ومهارة الخدمة الملوكية ما لم يجده أحد من أهل صناعته ، حتى اتّخذه ملوك أهل الأندلس وخواصّهم قدوة فيما سنّه لهم من آدابه ، واستحسنه من أطعمته ، فصار إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوبا إليه معلوما به.
فمن ذلك أنه دخل إلى الأندلس وجميع من فيها من رجل أو امرأة يرسل جمّته [٢] مفروقا وسط الجبين عامّا للصدغين والحاجبين ، فلمّا عاين ذوو التحصيل تحذيفه هو وولده ونساؤه لشعورهم ، وتقصيرها دون جباههم ، وتسويتها مع حواجبهم ، وتدويرها إلى آذانهم ، وإسدالها
[١] في ب : «مرهب الخشب» ، وهو تحريف.
[٢] الجمّة : ما تدلى من شعر الرأس إلى المنكبين ، أو مجتمع شعر مقدم الرأس ، جمعه : جم وجمام.