نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٩٩ - بلج بن عياض القشيري وبعض الداخلين إلى الأندلس
في شهر رمضان سنة ست عشرة ومائة ، قال : وكان ظلوما في سيرته ، جائرا في حكومته ، وغزا أرض البشكنس فأوقع بهم. وذكر ابن بشكوال أنه لمّا عزل وولي عقبة بن الحجاج وثب ابن قطن عليه فخلعه ، لا أدري أقتله أم أخرجه ، وملك الأندلس بقية إحدى وعشرين ومائة إلى أن رحل بلج بن بشر بأهل الشام إلى الأندلس ، فغلبه عليها ، وقتل عبدالملك بن قطن ، وصلب في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين ومائة بعد ولاية بلج بعشرة أشهر ، وصلب بصحراء ربض قرطبة [١] بعدوة النهر حيال رأس القنطرة ، وصلبوا عن يمينه خنزيرا وعن يساره كلبا ، وأقام شلوه [٢] على جذعه إلى أن سرقه مواليه بالليل وغيّبوه ، فكان المكان بعد ذلك يعرف بمصلب ابن قطن. فلمّا ولي ابن عمّه يوسف بن عبد الرحمن الفهري استأذنه ابنه أمية بن عبد الملك ، وبنى فيه مسجدا نسب إليه ، فقيل : مسجد أمية ، وانقطع عنه اسم المصلب ، وكان سنّ عبدالملك عند مقتله نحو التسعين ، وذكر ابن بشكوال أن عقبة بن الحجاج السلولي ولّاه عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية الأندلس ودخلها سنة سبع عشرة ومائة ، وقيل : في السنة التي قبلها ، فأقام بها سنين محمود السيرة ، مثابرا على الجهاد ، مفتتحا للبلاد ، حتى بلغ سكنى المسلمين أربونة ، وصار رباطهم على نهر ردونة ، فأقام عقبة بالأندلس سنة إحدى وعشرين ومائة ، وكان قد اتّخذ بأقصى ثغر الأندلس الأعلى مدينة يقال لها أربونة كان ينزلها للجهاد ، وكان إذا أسر الأسير لم يقتله حتى يعرض عليه الإسلام ويبيّن له عيوب دينه ، فأسلم على يده ألفا رجل ، وكانت ولايته خمس سنين وشهرين. قال الرازي : فثار أهل الأندلس بعقبة ، فخلعوه في صفر سنة ثلاث وعشرين في خلافة هشام بن عبدالملك ، وولّوا على أنفسهم عبدالملك بن قطن ، وهي ولايته الثانية ، فكانت ولاية عقبة الأندلس ستة أعوام وأربعة أشهر ، وتوفي في صفر سنة ١٢٣ ، وسريره قرطبة.
٢٧ ـ ٣١ ـ ومن الداخلين إلى الأندلس بلج بن بشر بن عياض القشيري.
قال ابن حيان : لمّا انتهى إلى الخليفة هشام بن عبد الملك ما كان من أمر خوارج البربر بالمغرب الأقصى والأندلس وخلعهم لطاعته وعيثهم في الأرض [٣] شقّ عليه فعزل عبيد الله بن الحبحاب عن إفريقية ، وولّى عليها كلثوم بن عياض القشيري ، ووجّه معه جيشا كثيفا لقتالهم ، كان فيه مع ما انضاف إليه من جيوش البلاد التي صار عليها سبعون ألفا ، ومع ذلك فإنه لمّا تلاقى مع ميسرة البربري المدّعي للخلافة هزمه ميسرة وجرح كلثوم ولاذ بسبتة ، وكان بلج ابن
[١] ربض المدينة : سورها. أو ناحية المدينة وضاحيتها.
[٢] الشلو : العضو ، أو كل مسلوخ أخذ منه شيء وبقيت أشياء ، وجمعه أشلاء ، وأراد هنا الجثة.
[٣] عاث في الأرض ، عيثا وعيوثا وعيثانا : أفسد.