نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٨٧ - ٦ ـ الكوفة الأولى هل كانت مجرد معسكر أم مدينة حقيقية؟
سعد في سنة ١٧ ه ، أي الاختطاط ، وتوزيع الخطط على القبائل ، وبناء المسجد.
ولا يتحدث هشام بن الكلبي ولا من روى عنهم من أهل الكوفة [١] ، عن الخيام أو خصاص القصب. وهم يلحون على العملية الأساسية الأولى المتمثلة في تحديد مجال مركزي وقع برمي السهام ، ويضم المسجد والقصر. وخلف هذا المجال المحدد بعلامات جعلته منيعا ، وهب سعد خطتين كبيرتين ، واحدة لقبائل اليمن كافة في اتجاه الشرق ، والأخرى لمضر في اتجاه الغرب. وهما تظهران بمظهر المجموعتين الموحدتين ، لكنّ الخطط وزعت على القبائل في صلب كل مجموعة [٢] ، ولم يجر الحديث عن البناء في هذه المرحلة. بل خلافا لذلك ، يحدونا الشعور أن المجال المركزي ، هو الذي يسميه غرابارGrabar (٢) «الفوروم» Forum ، [٣] قد وقع الإقتصار على تحديده. لكن هناك فراغا في الرّواية إذ هي تقفز إلى المغيرة وتنسب إليه توسيع المسجد ثمّ إلى زياد الذي ابتناه [٤]. وتقترب هذه الرواية مما رواه ياقوت واعتمده ماسينيون ، لكنها تفترض فكرة التخطيط الفوري النهائي ، مع أنها لم تتحدث عن بناء المسجد قبل ذلك ، حتّى ولو كان باللبن. وتشير هذه الرواية إلى دور المغيرة ، وقد أكّدت على هذا الدور كذلك رواية ثالثة أوردها البلاذري (عن المدائني) ، فنسب إليه صراحة فضل بناء المسجد الذي لم يعمل زياد إلا على توسيعه. علما بأن المسجد هو ما يضفي الطابع العمراني على المدينة ، فإنه يمكن أن نستنتج من ذلك أن البناء بالمواد الصلبة ظهر في ولاية المغيرة. لكن هاتين الرّوايتين الأخيرتين توحيان بأن العمل كان منقوصا ، إذ كيف كان المسجد والقصر في ولاية سعد؟ يصعب الإعتقاد أن الأمر يتعلق بمجرد مجال خال. لقد روى البلاذري نفسه أخبارا أخرى [٥] ذكرت ما أحدثه محمد بن مسلمة بالكوفة ، وقد أرسله عمر لإحراق بوابة القصر الخشبي الشامخة التي كان الوالي يحتجب خلفها عن الرعية. فهل كان قصرا مبنيا من قصب وكان بابه من خشب؟ [٦]. لا نرجع ذلك ، وإلّا كان علينا رفض الرواية
[١] فتوح البلدان ، ص ٢٧٤ يستعمل عبارة «منذ أبيه (محمد) ومشايخ الكوفة».
[٢] فتوح البلدان ، ص ٢٧٥ : من المعلوم أن ياقوتا أورد في معجم البلدان ، ج ٤ ، ص ٤٩١ ، هذه الرواية وسنرى أن هذا التسكين لليمنية شرقا والمضرية غربا ، لا يطابق التصور الخاص بالاستقرار الأول كما وصفه سيف ، ولا بالمتضمنات الأرضية لروايات الثورات التي جدت في القرن الأول الهجري. ويمكن على النقيض من ذلك ترجمة هذا الاستقطاب الثنائي عن وضع جديد نشأ في العصر العباسي حوالى عام ٢٠٠ ه : راجع اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص ٣١١ ، وقد ورد فيه تحديد لموقع مضر إلى الغرب ، ضمن تحركات القبائل. ولم يرو الرواية الثانية الكلبي وحسب ، بل أبو عبيدة معمر بن المثنّى أيضا :.Caetani ,Annali ,III ,٢ ,p.٧٤٨
[٣] عند لابيدوس ،. Lapidus, Middle Eastern Cities, Berkeley and Los Angeles, ٩٦٩١, p. ٤٣
[٤] فتوح البلدان ، ص ٢٧٥.
[٥] فتوح البلدان ، ص ٢٧٧. هذا خبر جدي سنده يعود إلى أبي مخنف وهشام الكلبي.
[٦] هذا ما أكده بوضوح الخبر الذي رواه أبو مخنف.