نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١١ - ١ ـ إشكالية الفتح
خارج تسلسل الشجرة المشتركة وظهرت أياد والنمر لا محالة بمظهر هامشي بارز. ثم إن الأمر يختلط على نسابينا ومؤرخينا ، فخلطوا بين هجرة قضاعة واستقرار عرب الضاحية واستقرار تغلب والنمر وأياد في الجزيرة [١]. لكن هذا الشتات العربي كان يربط الصلات حيثما كان.
فهل هذا أصل مشترك؟ أو تضامن أملاه ما كانت عليه ظروف العيش من تشابه ، أم كانت سهولة في التحرك مردها استمرار الترحال؟ يرى المسعودي أن الاستقرار الأول في الحيرة ، تم بواسطة انفصال جموع من المهاجرين في الشام ، فوصف جذيمة الأول بأنه تنوخي [٢]. هذا وأن تسمية تنوخ الغامضة تستند إلى الماضي البعيد. الواقع أن هذه النسبة كانت نادرة في المصادر كلما اقتربنا من الفتح. لكن إذا وجب التمييز بين خط الاتصال العربي ـ الفارسي بالطّف والخاضع للحيرة ، وبين منطقة الجزيرة ، وبين المنطقة العربية الداخلية القريبة من العراق والمستقلة ، فلا مناص من القول إن العناصر القبلية لهذه المناطق الثلاث كانت متشابكة.
أ) تقيم أياد وتغلب والنمر على أرض الجزيرة بصورة رئيسية ، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بمصير الحيرة ، وتوجد في قلب السواد أيضا ، تقوم على خفارة تجار سوق قرية بغداد [٣] ، أو بعين التمر حيث كانت تدافع عن الحصن برفقة الفرس ، وقد قام خالد بتقتيلها [٤]. وقد تأكد من جهة أخرى أن ملك الحيرة كان يعتمد عليهم ويستخدمهم ضمن فرق شرطته [٥]. ويمكن الافتراض أنهم أكثروا من التنقل حين انهارت مملكة الحيرة ، مع العلم بأنهم كانوا يتنقلون دائما ، وأن مقرهم الرئيسي كان بأرض الجزيرة الفراتية ، ويبدو أن الفرس استخدموهم في الدفاع عن حدودهم العربية.
ب) أقام عرب داخل بلاد العرب علائق مع العالم الإيراني ، وكان بصرهم مركزا على العراق ، ولا سيما قبيلتان كبيرتان من ربيعة هما عبد القيس وبكر. وقد بيّن ماسينيون Massignon أن عبد القيس تأثرت بالحياة الإيرانية إلى حد ما قبل ظهور الإسلام بمدة [٦].
[١] Caetani ,Annali dell\'Islam ,II ,٢ ,p.٣٥٢.
[٢] مروج الذهب ، تحقيق پيلاPellat ، بيروت ، ١٩٦٦ ، ج ٢ ، ص ٢١٤.
[٣] تاريخ الطبري ، ج ٣ ، ص ٤٧٤ ، يتحدث الطبري عن «خفراء من ربيعة وقضاعة». وكانت أياد أنشط القبائل الثلاث.
[٤] المرجع نفسه ، ج ٣ ، ص ٣٧٦.
[٥]. Kister,» al ـ Hira. Some notes on its relations withArabia «, Arabica, xv, ١, ٨٦٩١, p. ٩٥١ يشير إلى قبيلة النمر لكن ليس صحيحا القول إن خالدا أبادهم خلال حروب الردة ، إلّا إذا اعتبرنا أيام سنة ١٢ ه مدرجة في الردة.
[٦] Massignon,» Explication du plan de Kufa «, Opera minora, tIII, p. ١٤.