نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٥٣ - ٣ ـ إنهاء فتح العراق وتنظيم السواد
إن حصار بهرسير سبق الدخول إلى المدائن وكان تمهيدا له. وكانت بهرسير ذاتها جزءا من مجموعة المدن المكوّنة للمدائن الكبرى ، فضلا عن إمكان اعتبارها مفتاح المدائن ـ طيسفون بالذات ، بتسمية «المدائن الدنيا» تجاه «المدائن القصوى» [١]. لقد تكون مركّب المدائن أصلا انطلاقا من مدينتين [٢] هما سلوقية غرب دجلة المؤسسة بين ٣١٢ و ٣٠١ قبل الميلاد ، وطيسفون شرقا (٢٢١ ق. م.) وهي وريثة أوبيس.Opis لكن في حين أن المدينة الواقعة شرقا تطورت وأدمجت القرى المجاورة ، واتسعت أيضا بفضل إنشاء مواطن جديدة (مثلا رومية حيث وطّن المهاجرون من سلوقية الشام في ٥٤٠ بعد الميلاد ، والتي لا ينبغي أن تشتبه علينا بسلوقية توأم طيسفون) ، فإن المدينة الواقعة إلى الغرب التي كانت من أصل يوناني ، تبدو قد تقلصت. ولم يبق فعلا منها سوى الجزء الجنوبي الذي أعيد تسميته بيه ـ أردشير ، من طرف الساسانيين [٣]. ويطابق هذا الاسم الصيغة المعربة «بهرسير» المشتقة من الأرامية ، وكان يصل جسر بين بهرسير والمدائن وقد مكّن الفرس من إخلاء مدينة بهرسير والاتجاه إلى الشاطىء الشرقي ، دون أن يتفطن العرب إلى ذلك. ثم حطموا الجسر وسحبوا كل السفن فدخل العرب مدينة قفراء. وشاهدوا عن بعد القصر الأبيض لكسرى [٤] ، وكان رمزا خياليا للعظمة والحضارة الفارسية. إنها للحظة مشهودة في خضمّ مغامرة خاطفة. ولا ريب أن الفرس فكروا في الاستفادة من مهلة ما ، في المدائن الشرقية ، حتى يرتبوا أمورهم ، ويضمنوا إجلاء منظما للعائلات والكنوز الملكية الهائلة. فوجه يزدجرد أهل بيته إلى حلوان بعد أن تم الاستيلاء على بهرسير [٥]. لكن العرب عجلوا باحتلال المدائن ، بصورة لم يكن يتوقعها الفرس ، وقصروا الإقامة في بهرسير ، فاتجه العمل العسكري بأكمله عند ذلك إلى السباق نحو الغنيمة إذ وجب اللحاق بها قبل أن تطير.
وتم عبور دجلة عبورا ملحميا على الخيل [٦]. توجه في البدء عاصم بن عمرو عاجلا في الطليعة مع ٦٠٠ رجل منهم ٦٠ مقاتلا خرجوا للاستكشاف فنجحت العملية ، وفرض عاصم رقابته على ضفة النهر بعد الفراغ من مناوشات صغيرة ، وسرعان ما لحق به أكثر
[١] الطبري ، ج ٤ ، ص ٨.
[٢] Streck, art.» Mada\'in «, E. I / ١; Le Strange, op. cit. p. ٣٣ ff. Hertzfeld, Archaeologische Reise,. II, p. ٦٤ ـ ٦٧. وأورد ياقوت في معجم البلدان ، ج ٥ ، ص ٧٤ ، قائمة منقوصة لمختلف المدن ، كما أورد اليعقوبي في كتاب البلدان ، ص ٣٢١ ، قائمة لها.
[٣] (واه) حسب Streck و (بيه) حسب Le Strange ، وهو لا يعني أردشير الطيب بل بيت أردشير.
[٤] الطبري ، ج ٤ ، ص ٨. لا ينبغي الخلط بين القصر الأبيض والإيوان ، لكن كليهما كانا على الشاطىء الشرقي.
[٥] الطبري ، ج ٤ ، ص ١٣.
[٦] المرجع نفسه ، ج ٤ ، ص ٩ ؛ البلاذري ، فتوح البلدان ، ص ٢٦٣ ؛ الأخبار الطوال ، للدينوري ، ص ١٢٦.