نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٣٣٩ - ٢٥ ـ الكوفة وبغداد
كما يحمل الأمر على الاعتقاد لأن أكثرهم كانوا يقطنون في الطاقات حيث كانوا من جند الحامية لا غير [١]. لكن هنا عنصر هام يميز فيما يبدو المدينة المستديرة عن الكوفة : إنه فقدان الأسواق في المساحة العمومية. كان وجودها في المرحلة الأولى قد تأكد في الطاقات [٢] ثم استقرت في مرحلة ثانية في الكرخ خارج المدينة [٣]. صحيح أن هذه الممايزة في هذه النقطة المهمّة فعلا قد تؤيد بخصوص بغداد المنصور صورة المدينة الملكية والادارية ، أو التي صارت ادارية بصورة متزايدة. على أن الطاقات التي لم تقع بالمركز من حيث المجال ، تابعة للمجال العمومي لا للمجال السكني الخاص ، من حيث الوضع المؤسساتي وليست لها صبغة الاقامة ، فضلا عن إمكانية وجود الأسواق في هذا المكان بسبب قرار نقل ، لا منذ البداية ، لو صدقنا رواية أوردها الخطيب تحمل على الظن أن الأسواق كانت موجودة في بداية الأمر غير بعيد عن القصر أي في المركز [٤]. الواقع أن تنقلات الأسواق تكشف عن التردد العميق الذي كان عليه المنصور بخصوص رؤيته لغائية انشائه الجديد ، أو على الأقل مقاومته لجاذبية النموذج الكوفي حيث بقيت مركزية الأسواق مكسبا جوهريا. ولا شك أنه كان يريد في البداية مدينة «ملكية» ، لكنها تامة. ولا شك أنه غير من تصوره بعد ثورة ابراهيم بن الحسن دون أن يستطيع المساس بالمخطط الأول للمدينة المستديرة. فقرر افساح المجال لإقامة جيش دائم قوامه ٠٠٠ ، ٣٠ رجل [٥] وقرر عندئذ منح القطائع والأرباع خارج الأسوار ، فتحولت بسرعة كبيرة إلى أرباض. وتم الانتقال من الوحدة المدنية المغلقة إلى المجموعة المدنية المركبة ، أي إلى المنطقة ـ المدينة ؛ إنه لانتقال حاسم إذ برز معه الثنائي
[١] اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص ٢٤٠ ـ ٢٤١ ؛ الخطيب ص ٨٩ و ٧٧ ؛ العلي ، بحث مذكور ص ٩٥ ؛ Lass ـ.ner ,p.٥٤١
[٢] الخطيب ، ص ٨٠.
[٣] الخطيب البغدادي ، ص ٧٩. يرى لاسنر (op.cit.,pp.٧٤١ ـ ٨٤١) ، إن الانتقال إلى الكرخ لم يكن من باب الصدفة ، إذ لعل الكرخ كان السوق القديمة التي سبقت الإسلام في بغداد ، ولعلها استقرت نواة من العمران خارج الحوزة ، أثناء بناء المدينة المستديرة ، فلم يعمل المنصور إلا على إعادة تطوير هذه المنطقة.
[٤] الخطيب ، ص ٧٨ ، لكن قصة البقرة المتنقلة في الأسواق والتي كان خوارها يبلغ مسامع الخليفة ليست مقنعة كل الاقناع ، إذ كان في إمكانه الإقامة بمدخل الأبواب أي غير بعيد عن الطاقات. لكن ما يعني الخطيب بقوله «السوق العتيقة»؟ مرجع مذكور ، ص ٩٠. إن أوضح الخطيب ، ص ٨٠ ، ان الأسواق كانت تقع في الطاقات بعد الانتهاء من بناء المدينة مباشرة ، فإن الطبري يؤكد أنه لا مراء في أنها نقلت عند غلق المنافذ بين الحزام السكني والمركز : التاريخ ، ج ٧ ، ص ٦٥٢ ـ أي في مرحلة تالية. واعتمد لاسنر (op.cit.,p.٥٤١) هذه الإشارة مدعيا أن الأسواق تسببت في نقل حراس الأبواب من أماكنهم ، دون الاستناد إلى أي مصدر.
[٥] الطبري ، ج ٧ ، ص ٦٣٨ ـ ٦٣٩. تصور العلي المشكل جيدا : بحث مذكور ، ص ٩٣. وما ذكره الطبري بخصوص بناء بغداد اعترضته رواية ثورة إبراهيم وكأن الأمر حدث قبلها وبعدها.