نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١٨ - ٢ ـ من الأيام إلى القادسية
سيولّيه الأمر» كما قال الدينوري [١]. ليس يهم إلا قليلا الاطلاع على مشاعر المثنى. لكن ، وخلافا لذلك ، لا منازع أن مساعدته كانت فعالة وثمينة وأنه جسّم عنصر الاستمرار والدوام في مشروع الفتح الذي تعطل عدة مرات. كان البلاذري والدينوري محقين في منحه مكانا مركزيا في انطلاق المغامرة العراقية [٢] ، في حين أن الطبري نزع إلى إغفال دوره ، فيما نقله لنا من روايات باستثناء تلك التي يعتمد فيها أبا مخنف [٣]. وعلى كل ، فخلافا لما اتصف به كتاب الدينوري من إيجاز ووضوح وتبويب ، إذ ربط أحداث الأيام بعرض حول تدهور الأحوال في الامبراطورية الساسانية ، وقصرها على الاستيلاء على الحيرة وحصونها الثلاثة ، وكذلك على وقعة عين التمر ، وخلافا أيضا لما يبدو عليه نص البلاذري من الوجازة ، فإن النصوص التي أوردها الطبري تستهدف الشمولية ، فجاءت كثيفة ، مفرطة التفاصيل ، مترامية الأطراف. وردت روايات مطولة لأحداث الأيام ، وتجاوزت كثيرا ما كان يترقب منها من أهمية عسكرية حقة. وتجلى هذا الأمر في كتب الفقه [٤] ، والمغازي والتاريخ [٥]. أما حقيقة الأمر ، فإن المناوشات الأولى على حدود العراق تبدو في نظر المؤرخ الحديث المتتبع لسياق الأحداث ، بمثابة الأحداث الصغرى بالنظر للمعارك الحاسمة ـ ومنها معركة القادسية ـ التي هزت الأمبراطورية الفارسية في قوتها ثم في وجودها هزا لا رجعة فيه. فضلا عن أن نتائجها الإيجابية كخضوع الحيرة وخضوع بعض قرى السواد منها أليس وبانقيا كانت غير ثابتة ، لأن عودة الفرس إلى الهجوم جعلتها لاغية ، وهكذا انطلق العرب من الصفر في القادسية ، كأنه لم يقع شيء. فلم هذا التضخيم لحدث الأيام في الروايات؟ يمكن تعليل اهتمام الفقهاء بالتطورات الأولى للفتح بمحاولتهم العثور على قاعدة فقهية عامة مستمدة من صور خاصة ، هي قاعدة الصلح المتميزة عن وضعية العنوة. ومن الممكن أيضا أن سكان الحيرة أرادوا التملص من النظام المشترك للسواد ، مستظهرين بمعاهدة أبرمت مع خالد. وبذلك يمكن للمشاغل النوعية الخاصة بالقرن الثاني (إمكانية التصرف بالبيع في أرض السواد أم لا ، نظام خاص أو غير خاص للمجموعات التي طالبت به باسم الحقوق التاريخية) أن تفسر اهتمام الفقهاء بأحداث تبدو ثانوية من الوجهة التاريخية [٦].
[١] الأخبار الطوال ، ص ١١٢.
[٢] فتوح البلدان ، ص ٢٤٣ ؛ الأخبار الطوال ، ص ١١٢ ؛ لا نجد في تاريخ خليفة بن خياط أي خبر مهم : انظر ج ١ ، ص ٨٥ ـ ٨٦.
[٣] الطبري ، التاريخ ، ج ٣ ، ص ٣٤٣.
[٤] أبو يوسف ، كتاب الخراج ، ص ١٤٢ ـ ١٤٩.
[٥] ابن الأثير ، الكامل ، ص ٣٨٤ ـ ٤٦١.
[٦] يعتمد البلاذري في رواية الأحداث ، قواعد فقهية من هذا القبيل : «ليس لأهل السواد عهد إلّا الحيرة وأليس وبانقيا» أو من ذلك : «لا يصلح بيع أرض دون الجبل إلّا أرض بني صلوبا وأرض الحيرة» ، فتوح البلدان