نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٢٣ - ٢ ـ من الأيام إلى القادسية
وتولى عمر الخلافة فتابع مخططات أبي بكر ، دون أن يدخل عليها من البدء تغييرات تذكر. ولا يبدو قابلا للتصديق أن ننسب إليه ، كما فعل سيف [١] ، مشروعا واضحا محددا وواسع النطاق ، يكون شرع فيه منذ سنة ١٣ ، ويتمثل في تصور الفتح صراحة بمثابة غزو للهجرة ، وفي إرادة إشراك كل العرب من شبه الجزيرة ـ ومنهم المرتدون ـ في التحرك العراقي. كما أنه لا يمكننا على العكس مجاراة كايتاني حين يؤكد أن عمر لم يهتم جديا بالعراق إلا بعد وقعة اليرموك [٢]. معنى ذلك أنه لا يمكن أن نحصر كامل العمل الذي سيحققه عمر خلال الثلاث سنوات القادمة ـ وكان عملا تدريجيا حذرا وجسورا في آن ـ في نية وضعت مسبقا ، إذ تصير بداهة تنظيرا إسقاطيا لما سيتم تحقيقه بعد ذلك. فماذا فعل عمر وماذا كان يقدر أن يفعل؟ أن يتابع ما سنه أبو بكر ، ويداوم الضغط على الحدود الساسانية ، ترقبا لظروف أخرى تكون أكثر ملاءمة ، بمعنى أن يسهر على إعداد آلة الحرب. لقد استعان في المدة الأولى بنخبة محاربة صغيرة من الأنصار وأقنع في فترة ثانية قبيلة بجيلة بالاستقرار في العراق ، وقام بخطوة حذرة في اتجاه الانفتاح على المرتدين. كانت سنة ١٣ ـ ١٤ ه عبارة عن مرحلة وسيطة لكنها تجاوزت مرحلة الأيام ، بقوة المجابهات التي جدّت. ذلك أن السلطة الفارسية استعادت تماسكها وأخذت في ردّ الفعل في حين أنها اكتفت إلى ذلك الوقت بالاعتماد على الحاميات العربية ـ الفارسية الساهرة على خط الدفاع.
لكن شعور الفرس الجديد بالخطر العربي لم يكن قويا بما يكفي ، حتى يعدلوا عن منازعاتهم الداخلية فكانت ردودهم ظرفية ، قوية أحيانا لكنها غير مسترسلة وغير مثمرة.
١) أبو عبيد ومعركة الجسر (شعبان أو رمضان ١٣ / أكتوبر أو نوفمير ٦٣٤) [٣].
كلف عمر أبا عبيد بن مسعود الثقفي [٤] برئاسة سرية من ألف رجل لمدّ يد المساعدة
فالتبست عليه المعركتان وأرخهما في سنة ١٣ ، في حين أن كافة الروايات التاريخية الأخرى لا سيما رواية مدرسة المدينة (ابن اسحاق والواقدي) ومنطق الأحداث البديهي تفصل بين الأمرين : البلاذري ، فتوح البلدان ، ص ١٢٠ ، وخليفة بن خياط ، التاريخ ، ج ١ ، ص ٨٧. يلاحظ كايتاني عن حق أن تقديم سيف لمعركة اليرموك نشأ عنه غلطه في تأريخ المعارك العراقية : Caetani ,Annali dell\'Islam ,III ,٢ ,p.٩٤٥
[١] الطبري ، ج ٣ ، ص ٤٤٥.
[٢] Caetani ,Annali ـ ـ ـ ,III ,٢ ,p.٢٣٦.
[٣] حسب كايتاني ، قدّم سيف المعركة شهرا : Annali dell\'Islam ,III ,٢ ,p.٠٣٦ ,٣٣٦. ، راجع أيضا : Voccia ـ Vagliori,» art. Kadisiyya «, Encyclopedie de l\'Islam, t IV, p. ١٠٤ ـ ٣. ؛ وأورد أبو مخنف تاريخا حدده في شهر رمضان من سنة ١٣ : البلاذري ، فتوح البلدان ، ص ٢٥٣. نجد التاريخ نفسه في الدينوري ، الأخبار الطوال ، ص ١١٤.
[٤] لعلّ أبا عبيد لم يكن خاملا بالصورة التي يريد كايتاني حملنا على تصديقها ، ويظهر أن هيل Hill ,