نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١١٣ - ٧ ـ بنية المجال الداخلي المدار المركزي
كان موجودا منذ ابتداء الفتح ، متقفيا الجيش ، متصيدا الغنيمة [١]. لكن هل نحن على يقين من إنشاء السوق لمثل هذا الصنف من المبادلات وحتى لهذا الصنف البشري ، أي لتاجر الجيش ، المضارب المغامر المتجول؟ إن السوق المركزية ، كما سيظهر ذلك من خلال تطورها اللاحق ، مكان للمبادلات ومكان للانتاج. وقد أنيطت بها خدمة جماعة في سبيل التمركز والاستجابة لحاجاتها الحيوية. وهنا أيضا ، كان عالم سوق الجيش مدعوا للاستقرار ، وتكييف نشاطاته مع نظام المدينة الجديدة ، تماما كما كان المقاتلون يتمصرون. اللهم إلا إذا كان تقاطر على السوق صنف آخر من التجار والصناع ، صنف من غير المضاربين في الجيش ، من المستقرّين الأصليين ، قدموا من المدائن أو من غيرها من البلاد ، مختصّين ، قنوعين بالربح القليل من نمط تجّار الدّكاكين. ونحن نعلم أنّ السوق ستمتلىء فيما بعد بالعبيد والموالي.
أما على صعيد التمصير ، فإن التحديد المجالي هو الذي يشد انتباهنا في الواقع. لم يهتم بالأمر سوى مصدرين فحسب : هما سيف [٢] واليعقوبي في كتاب المدائن [٣]. فلم يذكر البلاذري شيئا بخصوص هذه الفترة التأسيسية ، لكن بالطبع وردت إشارات متفرقة عن العصر الأموي ، تأتي في سياق الخبر السياسي [٤] (الطبري) ، أو في طيّات التراجم لرجال الدين (ابن سعد) [٥].
وما يترتب عن كل هذه الأمور ويلفت نظرنا فورا ، أن السوق أو الأسواق لا بد أن موقعها كان إلى شمال المسجد وإلى شرقيه ، وأنها كانت محيطة بواجهته الشمالية ، وقاضمة من واجهته الشرقية ، غير بعيدة عن زاوية القصر الشمالية الشرقية. ويمكن أيضا التفكير مع الجنابي [٦] أنها كانت تقع شرقي المسجد وتبلغ الواجهة الشمالية للقصر. روى سيف خبرا جاء فيه أن صبر سعد قد نفد لتصاعد ضجيج السوق إليه وهو جالس في القصر يتحدث [٧]. كما توفر خبران متكاملان ، أحدهما لسيف والثاني لليعقوبي ، القصد منهما تبرير امتداد السوق بجوار الجهة الشمالية للمسجد مباشرة ، حتى الحدود الشرقية الشمالية للصحن. وقد ذكرنا أن سيفا تحدث عن نقل المسجد في اتجاه الجنوب ، وبذلك توفر فراغ
[١] صالح أحمد العلي ، التنظيمات ، ص ٢٦٣.
[٢] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٥.
[٣] كتاب البلدان ، ص ٣١١.
[٤] الطبري ، ج ٦ ، ص ١٩ وص ٣٠.
[٥] الطبقات ، ج ٦ ، ص ١٣٦ وص ٢٢٦.
[٦] الجنابي ، مرجع مذكور ، ص ٨٦.
[٧] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٧.