نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١١٥ - ٧ ـ بنية المجال الداخلي المدار المركزي
لكن في مستوى مركز المساحة. فضلا عن أن كلمة أسواق في الجمع تدل على بنية متفرعة ممتدة واسعة متنوعة ، وهي لا تعبّر إلا بصعوبة عن بنية مطولة بسيطة. ومن المعلوم أن مثل هذه السكك المتجهة إلى شمال / شمال شرقي كانت موجودة في الكوفة ، وكانت تصل بين القصر والجسر ، ثم في اتجاه السواد ، مخترقة المساحة المركزية والخطط القبلية. ولعل السكة الرئيسية كانت «سكة البريد» ، وهي الطريق البريدية الأساسية للاتصال [١] ، قبل أن تكون سكة لحام جرير كذلك ، كما قال ماسينيون [٢]. وأخيرا يؤكد سيف أنه لم يكن يوجد في بداية الأمر ، في الصحن ، سوى المسجد والقصر والأسواق [٣] بحيث تتساوى السوق والكتل المجالية الأخرى ، ويكون قوله مؤيدا للتصور الخاص بالأسواق المفتوحة الواسعة الممتدة ، أي الميدان المحيط بالمسجد ، الذي يتقدم حتى القصر ، ويتوغل حتى الشمال والغرب والشرق.
وكانت هذه الأسواق مغطاة بالحصر ، في بداية الأمر [٤]. ولم يتمّ الشروع في بنائها إلا بعد مدة تناهز القرن (فترة خالد القسري) ، وكان ذلك على قواعد متينة جمالية. فهل بقيت على وضعها القديم قبل ذلك؟ يمكن ترجيح ذلك إلى حد بعيد لأن أبا مخنف يفوه بخصوص فترة المختار (٦٦ ه / ٦٨٥ م) بما يفيد أن الأسواق لم يكن فيها بناء في ذلك الزمان [٥].
وعلى صعيد التنظيم وحسب ، من المعلوم أن أماكن الباعة لم يقر لها قرار. لكن إذا احتل البائع مكانا لأول مرة ، فإنه يستمر يشغله كامل يومه ، كما هو معمول به في المساجد [٦]. وهذا أمر يحملنا على القول أن التنظيم والتخصص في الأسواق كانا معدومين. وسوف يتحقق هذا الأمر في العصر الأموي [٧].
الآري :
أما الآري ، فقد ذكره الطبري مرتين [٨] ، كما ذكره اليعقوبي [٩] ، بحيث أن اتحادهما في
[١] انظر لاحقا.
[٢] Massignon ,op.cit.,pp.٢٤ ,٥٤.
[٣] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٥.
[٤] كتاب البلدان ، ص ٣١١.
[٥] الطبري ، ج ٥ ، ص ٢٥٨ ؛ ج ٦ ، ص ١٩ و ٣٠ و ١٠٦.
[٦] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٥.
[٧] يبدو أن زيادا قد شجع على استقرار المواقع والتخصص في البصرة بصورة ما : أنساب الأشراف ، ج ٤ (١) ، ص ٢٣٩.
[٨] الطبري ، ج ٤ ، ص ٥٢.
[٩] كتاب البلدان ، ص ٣١٠.