نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١٢٦ - ٨ ـ بنية المجال الداخلي الحزام السكني أو الخطط
والخطط المرتبطة بها كانت تشكل حزاما أول ، سيتم من ورائه استقرار موجات الروادف ، في حين استقرت قبائل أخرى في الفجوات.
والغريب أن سيفا لم يذكر هذه القبائل في نصه في بداية الأمر : كانت تلك حال بكر وحال طي بالخصوص. كأن الأمر متعلق بامتياز يرتبط بالمنتفعين الأولين بالخطط بصورة نظامية ، ثم ألم تشر مصادرنا إليهم فسمتهم أهل الخطط [١] ، بمعنى الناس الذين حصلوا على الأراضي بصورة قانونية ومعهم أولئك الذين أقاموا قريبا من المساحة المركزية؟
إن هذه الخطط مهيّأة لأن تتحول إلى أشكال طوبوغرافية على أقل تقدير ، وربما إلى أحياء حضرية بالمعنى الدقيق ، وإلى أن تسمى مختلف الأماكن في المدينة بأسماء القبائل (فيقال : ذهبت إلى كندة وجهينة) [٢]. فصار مهما جدا ذكر مواقعها على خريطة. لكن هنا تعترض سبيلنا صعوبات هائلة. فما هو الترتيب الذي رتب عليه سيف القبائل التي روى أسماءها؟ وهل ينبغي البدء يمينا أم يسارا ، أم من الوسط؟ وعلى فرض أن نبدأ من اليمين ، وهو العنصر الخيّر بصورة تقليدية ، عنصر اليمن الذي يصطبغ بصبغة دينية ، فعلينا أن نتصور عند ذلك أن المخطط الذي حدد للقبائل أماكنها ، كان يدور سريعا وعلى التوالي إلى القبلة ، وإلى الشمال الشرقي ، والشمال الغربي ، والجنوب الغربي ، وهو يواجه الوجهة المقصودة في كل مرة ، وهذا هو الأمر الأكثر ترجيحا لأنه يجسم الطريقة التي بها يفكر سيف. لنعد إلى طريقته في الحديث عن الرامي الذي يبدأ يمينا ، ووصف وجهة المسجد : ...
«ووضع المسجد يمنة على القبلة ثم مدّ به إلى منقطع رحبة علي والرحبة قبلته». ثم : «فكانت قبلة المسجد إلى الرحبة وميمنة القصر» [٣]. نجد ميمنة القصر من جديد ، لأن العلامة المرجع ترتبط باتجاه الصلاة. وهكذا يقع الاستناد إلى عنصر الميمنة بصفة واضحة. هل كانت الميمنة متنقلة ، تواجه الشخص الذي يطلق النبل ، ويأمر ، ويوزع كما ينبغي ، أم كانت ثابتة بالنسبة للقبلة ثباتا ضمنيا؟ [٤]. هذان الافتراضان كلاهما راجح ، ويترتب عنهما
[١] ابن سعد ، ج ٦ ، ص ٢٢١ ، في ترجمة صعصعة بن صوحان ، من رفاق عليّ. وقد تحدثت كتب متأخرة في فقه الحنفية عن أهل الخطة واعتمدت روايات قديمة : السرخسي ، ج ٢٦ ، ص ١٠٩ ، ١١٠ ، ١١١ ، ١١٢ ؛ والسمرقندي ، ج ٣ ، ص ١٧٥.
[٢] مثلا ابن سعد ، ج ٦ ، ص ١٨ ، ٢٦ ، العبارة واضحة جدا في فتوح البلدان ، ص ٢٧٩ : «ويقولون جئت من حمراء ديلم كقولهم جئت من جهينة». راجع أيضا : الطبري ، ج ٦ ، ص ٤٨ ؛ وكيع ، أخبار القضاة ، ج ٢ ، ص ٤٢٤ حيث نرى الشعبي يقطع جهينة ليقوم بجولته اليومية.
[٣] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٦.
[٤] لا يمكن اعتماد القبلة بالنسبة للشمال ، بل يمين الشخص المكلّف بإقرار القبائل الذي يواجه الشمال ، أي من الشرق إلى الغرب ، سليم وثقيف وهمدان وبجيلة ، الخ .. وخلافا لذلك ، يكون الأمر كذلك بالنظر للجنوب ،