نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١٢٤ - ٨ ـ بنية المجال الداخلي الحزام السكني أو الخطط
العنصر الأساسي ، والعمود الفقري لنسق الخطط ، يمكن بفضله تحديدها وتعريفها ، وأيضا بصفتها الصلة المثلى للاتصال بين الصحن والخطط ، والمركز المشترك حيث تهيؤ الحياة الاجتماعية العربية الاسلامية الجديدة وخطط الوجود القبلي القديم ، وحتى الوجود العشائري.
كانت الشوارع الواسعة المستقيمة تنطلق من المركز المربع نفسه ، وهو الذي يحوي ذاته مربعين هما المسجد والقصر. ونحن نميل إلى الاعتقاد أن شكل المدينة كلها كان مربعا ، على شاكلة بابل [١] ، مع الفارق أننا إزاء مدينة مفتوحة وبدون سور عن قصد ، ولا نعرف شيئا عن نهاية المناهج مع أننا نعرف بدايتها. وقد أسقط ماسينيون على مخططه شكلا دائريا أحيط بخندق دفاعي. وإذا ما كان هذا الشكل موجودا أبدا ، فلا يمكن أن يكون قد أقيم إلا في وقت متأخر ، لما تدخل المنصور وأمر بتشييد السور وحفر الخندق ، فضلا عن أنه بعث النموذج الساساني الدائري.
الواقع أننا نتقدم في البحث بواسطة اللمسات والانطباعات وإقامة ما نزعم على الاحتمالات ، ولن يكون ذلك على أساس اليقين أبدا. هكذا ندرك أن التماثل ليس كاملا في تصور سيف. لماذا توجد خمس فتحات في الشمال ، وأربع في الجنوب ، وثلاث في الشرق ، وكذلك في الغرب؟ وهل أن المسافة نفسها تفصل نقاط انطلاق المناهج؟ وإذا حددنا خطة إحدى القبائل بكونها تقع بين طريقين ، فستظهر إلى الشمال مجالات ضيقة مستطيلة ، وخطط واسعة عريضة شرقا وغربا. لكن بجيلة وهمدان موجودتان في «الشمال» بالودعة ، كما أن دور وطلبات بجيلة [٢] معروفة ، وقد ذكر اليعقوبي أن بجيلة كانت تستغل اقتطاعا مهمّا [٣] ، جعلت منه كل روايات أبي مخنف النقطة المرجع بالنسبة للمنطقة الشمالية [٤]. قلنا المنطقة الشمالية؟ هل نحن على يقين من ذلك؟ إن مشكل الوجهة مطروح حيث ينبغي أن تكون القبلة هي المرجع ، علما أنها تتجه إلى الجنوب الغربي ، لكن هذا الاتجاه لم يحسب حسابا صحيحا (يقدر انحرافها ب ١٧ درجة). إن المسافر الذي يعبر اليوم الفرع الغربي للفرات ،
[١] هذا على الأقل ما قاله هيرودوتس : «كانت مدينة مربّعة الشكل ، تعد مائة وعشرين غلوة من كل وجه» ، وقد أورده ممفورد ، L.Mumford ,op.cit.,p.٣٠١ ؛ أما أوبنهايم Oppenheim ,op.cit.,p.٦٤١ فهو يميل إلى شكل المعين ؛ وتصرّح مرغريت روتن أن كل المؤلفين اتفقوا على أن شكل المدينة كان مربع الزواياM.Rutten ,.Babylone ,p.٤٣
[٢] فتوح البلدان ، ص ٢٥٣.
[٣] كتاب البلدان ، ص ٣١٠.
[٤] الطبري ، ج ٦ ، ص ٤٦ ـ ٤٨.