نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١٨٨ - ١٤ ـ قوة الماضي الإرث العربي القديم
استيعابهم وليس ضرورة أنهم كانوا غير عرب من حيث الجنس ، لكنهم ينتمون إلى الرحل [١]. على أن العبارة في اللغة الأكادية تحيل إلى مفهوم يخصّ نمط العيش أكثر ممّا تحيل إلى مفهوم عرقي [٢]. فيمكن وصف الأراميين أو أي شعب يقيم بالشمال الغربي الذي سوف يعرف ببلاد الشام ، بأنهم «ع ـ ر ـ ب ـ أ ـ أ» إذا ما وقع تصورهم بمثابة الرحل وهذا يعني أن العرب وحدهم قد استمروا في حياة الترحل ، وأن أولئك الذين استمروا من بعد على هذا النمط من الحياة قد تعربوا. هذا وحتى في الزمن الغابر وجدت عرقية عربية حددتها الأداة اللغوية ، وجرى على سبيل التيسير أو تجاوزا توطينها بمنطقة الجنوب الغربي السامي وذلك نظرا لهيمنة الآرامية على الشمال الغربي» [٣].
إن المطابقة بين مفهوم «عربي» ومفهوم الترحل بقيت حية حتى اليوم. هناك نقوش سبئية [٤] تعود إلى القرن الرابع بعد الميلاد ، تحدثت عن وجود «عرب» بصفتهم رحلا. وهناك كتابات متأخرة أقوى دلالة ، وهي تقسم القبائل اليمنية إلى «أحمور» و «عرب» استنادا إلى نمط العيش قطعا. ويجب أن يلاحظ بخصوص القرآن أنه لا يستعمل أبدا الإسم الموصوف عرب ، وبذا فهو لا يسمى العرب في مجموعهم أبدا مستعملا اسما مشتقا هو أعراب للدلالة على البدو [٥] ، ومستخدما صفة عربي نعتا لغويا فحسب. إن استخدام كلمة عرب من قبل المصادر التي تلت ظهور القرآن واعتمدت أحاديث الرسول وأقوال الخلفاء الراشدين ولا سيما عمر [٦] ، تنطبق دون ريب على قبائل الرحل ، لا على كل العرب بصفتهم مجموعة عرقية ، مع أن الشعور بالانتماء العرقي أو بالهوية الثقافية كان شديدا قبيل ظهور الإسلام ، ولعل ذلك كان أشد عند الرحل منه عند سكان المدن ، كما بيّن ذلك فون
[١] Ibid.,p.٠٨. حيث نجده يؤيد الرأي المعاكس.
[٢].Ran Zadok ,art.cit.,p.٤٤ وهو يعتمد عدة مؤلفين منهم Montgomery وEph\'al وغيرهما ، وكلهم جادون في إنكار كل صبغة عرقية وبالتالي كل استمرار تاريخي على مفهوم «عرب».
[٣].Ibid.,p.٤٥ لكن أسماء العرب الأوائل في الشمال (ص ٧٦ ـ ٧٩) كانت موجودة كثيرا ، كأهالي ثمود وتيماء. وقد فحص نولدكه No ? ldeke الأسماء النبطية مشددا القول على أنهم «عرب خلص» رغم أنهم كانوا يتكلمون بسهولة الآرامية : Art.» Nabate ? ens «,E.I. / I.
[٤] W.Caskel ـ A.Grohmann ,art.» Arab «,E.I. / ٢ ، عبد العزيز الدوري ، التكوين التاريخي للأمة العربية ، ص ١٨ ؛ خالد العسلي ، «العرب في النقوش القديمة» ، مجلة العرب ، مجلد ٥ ، ١٩٧١ ، ص ٤١٠ وما بعدها.
[٥] القرآن ، «سورة الحجرات» ١٤ ؛ «سورة التوبة» ٩٧ و ٩٨ ـ ٩٩ ـ ١٠١. ليس الحكم سلبيا دوما لكن المقابلة المتجاورة بين كلمتي أعراب وأهل المدينة ، (١٠١) ، ملفتة للنظر. أما الوصف اللغوي فيظهر في كلمة معروفة هي «قرآن عربي» سورة طه ، ١١٣.
[٦] الطبري ، ج ٥ ، ص ٤١ ؛ البلاذري ، فتوح .. ص ٢٧٥. إلا أن الدوري يذكر أن كلمة عرب وردت مرتين بمعنى مجموع العرب : مرجع مذكور ، ص ١٩.