نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٢٩٣ - ٢٠ ـ الاستمرارية،الإضافات والابتكارات
مهترىء خاضع متمسّح ، فيما كانت الكوفة قلعة للإسلام ، ورمزا لحداثة مطلقة للعروبة. ففي عصر الحجاج مثلا (سنة ٧٧ ، خلال ثورة شبيب) ، كان لهذا الوالي أن يشير إليها بالبنان كملجأ محتقر نوعا ما لليهود والنصارى [١] ، وكعالم صغير للغير ، وليس بعالم الإسلام المناضل : كان هناك إذن حاجز نفساني يفصل بين المدينتين العربيتين. وفي حين كانت الكوفة تتشبع بالإسلام أكثر فأكثر ، كانت الحيرة بصدد فقدان عروبتها ، وتحدد وضعها بمغايرة دينية. إن التفتح الواضح على النصرانية الذي طرأ على الكوفة في ولاية خالد القسري ، وانطلاقة المصر نسبيا خارج حدوده الأولى ، والتضخم العظيم لتنقل البشر طيلة قرن ، والإنتصار الكامل للاتجاه العربي الإسلامي على أي شكل منافس آخر كل هذا غير من طابع العلائق. صار الآن ممكنا التمون من الحيرة وكأن المرء ذاهب إلى ضاحية ، إما بسوق الحيرة [٢] ، إذ استمر قائما ، وهو واحد من الأسواق العشربن التي وجدت في العصر الجاهلي [٣] ، وإما بسوق يوسف الجديد [٤]. وتزايدت حوالي سنة ١٠٠ ه لقاءات الشعراء والأشراف المعربدين في الأديرة المحيطة بالحيرة [٥]. كانوا يحتسون الخمر ويقولون الشعر فيها على هواهم. وقد أخذ ماضي الحيرة الذي تشهد عليه القصور القائمة على حدود الصحراء [٦] ، يحاور الخيال والإحساس العربيين [٧].
سوق أسد ، وسوق يوسف ، وسوف حكمة : إن تفجّر الكوفة على الخارج ، وتدجين المحيط بالحمامات الخارجية (حمام أعين ، الخ ...) ، وبالقرى ، والمزارع ، لهو بمثابة الرفع للحواجز الشرسة للكوفة الأولى. إنه شاهد على الانفتاح على العالم يعارض بشدة انغلاق وبمثابة تملك جديد لهوية مدينة مدنية تماما.
٣) القنطرة والحمامات :
القنطرة أو الجسر المبني :
كان على أهل الكوفة أن يقتصروا لحد ذلك الوقت على جسر دائم من المراكب لكي يعبروا الفرات ويدخلوا السواد ، وكان يقف على حراسة الجسر موظفون (كان مسروق
[١] الطبري ، ج ٦ ، ص ٢٦٦.
[٢] الأفغاني ، مرجع مذكور ، ص ٣٧٤.
[٣] المرجع نفسه ، ص ٣٧٤ وما بعدها.
[٤] ابن الفقيه ، ص ١٨١.
[٥] الشابشتي ، الديارات ، ص ٢٣٦ ـ ٢٥٧.
[٦] صالح العلي ، مقال مذكور ، ولا سيما الخارطة.
[٧] يوسف خليف ، حياة الشعر في الكوفة ، ص ٢٠٤ وما بعدها ؛ الزبيدي ، ص ١١٥ ـ ١٢٠.