نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٣٤ - ٢ ـ من الأيام إلى القادسية
الواقع أن الاحترازات بقيت عنيدة على مستوى المؤسسات ، ولن تبدأ في التبدد إلا بعد وقعة القادسية فعلا ، كأن القادسية كانت فرصة للتكفير عما سلف أو بوتقة للتوحيد. لقد صاحب القادة الكبار المرتدون ، منهم الأشعث بن قيس وطليحة بن خويلد وعمرو بن معديكرب ، قبائلهم إلى الحرب ، لكنهم لم يتحصلوا على أية صفة عسكرية قيادية في شراف. إن قادة الأعشار التي كانت عبارة عن وحدات كبيرة ـ والتي ستتحول بعد ذلك إلى أسباع ـ وكذلك الذين كانوا على رأس وحدات الجيش الكبرى المتأهبة للقتال ـ وهم أمراء التعبئة ـ سواء على الميمنة ، أو الميسرة ، أو القلب ، أو المشاة ، أو الفرسان ، قد اختيروا لولائهم للإسلام. وهكذا ، وقع تفضيل شرحبيل بن السمط الكندي ضمن قبيلة كندة ، على الأشعث الذي كان أكثر شرفا ، لكنه كان مرتدا شهيرا كما يذكره سيف الذي يشير إلى أن الأمور ستتغير بعد ذلك قائلا : «وكان قد غلب الأشعث على الشرف فيما بين المدينة إلى أن اختطت الكوفة» [١].
ويلاحظ الاتجاه الإسلامي ذاته في مستوى القيادات الصغرى ، نعني العرافات المتركبة من عشرة رجال ، على نمط عرافات الرسول والتي ستبقى بالكوفة والبصرة ، وبعد أن أعيد فيها النظر من وجهة الوظيفة والعدد. روي أنه «كان في الأعشار» ، سبعون رجلا بدريا ، وثلاثمائة وعشرة من الصحابة ممن ترجع صحبته إلى بيعة الرضوان ، وولي ثلاثمائة صحابي آخر شاركوا في فتح مكة وسبعمائة من أبناء الصحابة من كل القبائل [٢] ، لكن مفهوم الصحابي مرن ، وهو يشمل كل أولئك الذين كان لهم اتصال سابق بالرسول. وإذا صحت هذه الأرقام ، فلعلها تعني أنه لم يغادر المدينة عناصر كثيرة حيث لم تصلنا أسماء معروفة منهم [٣] لا في مرحلة التنظيم ولا في مرحلة المعركة لكنها تبرهن على أنه وقع تفضيل الأوفياء على غيرهم وأن التيار الإسلامي فضّل على التيار التقليدي ضمن عالم القبائل بالذات» [٤].
وخلافا لذلك ، كان أبناء كبار الصحابة حاضرين بالشام ، وقاتلوا بأجنادين كما في اليرموك ، حيث دفعوا ضريبة الدم التي كانت مرتفعة [٥]. وعندما يرد ذكر بعض الأسماء منهم في القادسية فإن عدد الأنصار يربو على عدد القرشيين. ومن باب التناقض أن يلح
[١] المرجع السابق ، ج ٣ ، ص ٤٨٨.
[٢] الطبري ، التاريخ ، ج ٣ ، ص ٤٩٠.
[٣] لكن ورد ذكر اسم عبد الله بن المعتم : الطبري ، ج ٣ ، ص ٤٨٨.
[٤] من الأوفياء كان هناك أشراف. ولنذكر زهرة بن عبد الله بن قتادة بن الحوية الذي كان قائدا للطليعة (الطبري ، ج ٣ ، ص ٤٨٨ وغيرها) ، وعاصم بن عمرو ، المرجع نفسه ، ص ٥٣٠).
[٥] البلاذري ، فتوح البلدان ، ص ١٤١.