نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١٠٥ - ٧ ـ بنية المجال الداخلي المدار المركزي
بالحيرة [١] ، ولقد ذكرنا أن بيت المال كان ضمن هذا القصر. ثم طرأت سرقة هذا البيت ، فتقرر هدم المسجد وجعله قريبا من القصر ومحاذيا له [٢] ، فأعيد بناء المسجد والقصر مرّة أخرى انطلاقا من بقايا قصر ساساني بالحيرة [٣]. يورد سيف ذلك وكأنه يذكره للمرة الأولى [٤].
الواقع أن المسجد الحالي ملاصق لميمنة القصر في اتجاه القبلة ، بالصورة التي بيّنها سيف ، كما بقيت آثار نفق من العصر الأموي ، إلا أن الوصل قد تم في المستوى الأموي المتأخر ، بالسور الخارجي للقصر ، ويمتد ضلعه على أكثر من ١٦٨ مترا [٥]. ومن المفارقة أن الآثار الوحيدة التي تبقت من المستوى الأول للحفريات توجد من جهة المسجد ، لكن في الحوزة الداخلية التي كانت تحدد محيطا ضلعه ١١٤ مترا [٦] ، أي بتراجع يقدر ب ٣٠ مترا ، بالنسبة إلى حائط المسجد. ليس من شك في أن القصر الأصلي المشيد لم يكن يتجاوز الحزام الداخلي [٧]. وبما أن الزوايا الأموية الملاصقة للمسجد ما زالت قائمة ، فمن المرجح أن حدود المسجد الحالي ، الذي تأخر بناء جدرانه ، تعود إلى العصر الأموي ، مع أنها تتراجع قليلا إلى الداخل بما قدره ٣ أمتار و ٦٠ سم. ولا تتوفر لدينا أية معلومات عن اتساع القصر على حساب المسجد ، بل بالعكس! لقد بني المسجد لاستقبال ٠٠٠ ، ٤٠ شخص في ولاية سعد ، وجرى توسيعه في إمارة زياد ، بحيث صار يحوي ٠٠٠ ، ٦٠ شخص [٨]. ولإنقاذ رواية سيف ، يكمن الحل الوحيد في التفكير في اتساع القصر بين السورين وعلى حساب المسجد الذي امتد في اتجاه الشمال ، فعاد بذلك إلى موقعه السابق. وفي هذا المعنى ، هناك مؤشرات قليلة وكثيرة الغموض. لكن ألا يقرب من المعقول أن نفكر بخصوص ما يقوله سيف ، في عملية إعادة بناء ذهنية تمت في وقت لا حق؟ كانت مواد الحيرة موجودة فعلا ، لكن النمط المعروف بالنمط الحيري ينتمي إلى الطبقة الأثرية الشائعة في العصر العباسي
[١] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٥.
[٢] المرجع نفسه ، ج ٤ ، ص ٤٦. انظر الخرائط. ا
[٣] المرجع نفسه ، ج ٤ ، ص ٤٦. كايتاني يمرّ مرّ الكرام على هذه المراحل المتنوعة :.Annali ,III ,٢ ,p.٨٥٨. ولم يحتفظ إلّا بفكرة «الدار» كنواة للقصر العتيد المبني انطلاقا من آثار الحيرة. وقد شكك ريتميير بأقوال سيف :. Reitmeyer, op. cit., p. ٤٣
[٤] متناسيا أنه تحدث عن قصر سعد في اللحظة الأولى مما جعله يناقض نفسه.
[٥] الشكل الأول من دراسة محمد علي مصطفى وص ٣٨ ؛ الجنابي ص ١٣٨ ـ ١٣٩ ، وشكل ١٤.
[٦] بالضبط ٩٥ ، ١١٣ مترا من الشرق إلى الغرب و ٨٦ ، ١١٣ مترا من الشمال إلى الجنوب. انظر : محمد علي مصطفى ، ص ٦٠.
[٧] راجع تصميم الجنابي الذي نقل بالضبط تصميم محمد علي مصطفى.
[٨] ياقوت ، معجم البلدان ، ج ٤ ص ٤٩١.