نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١٠٦ - ٧ ـ بنية المجال الداخلي المدار المركزي
الأول [١] ، الذي هو عصر سيف بالذات ، كما أن وجود الدهليز في واقع الأمر أمكن إسقاطه في الفترة الأولية. ويرجح كثيرا أن نقل المسجد لم يكن بعيدا من القصر ، عندما أعيد بناؤه ، ولكنه لم يتلاصق الجهازان المتقاربان إلا في العصر الأموي المتأخر ، وذلك بزيادة السور الخارجي للقصر ، وهذا ما يفسر وجود الدهليز الذي كان يمر منه الوالي [٢] ، وهذا أيضا إسقاط يرد إلى الماضي.
وتتفق النصوص الكتابية وعلم الآثار على تحديد موقع البنايتين وعلى أبعادهما الإجمالية [٣] ومحيطهما القريب (السوق والرحبة). ويتفق سيف والبلاذري على القول إنه ترتب عن المحاولات المترددة في العصر الأولي ، عمل منقوص تمثل في مسجد بدون أروقة ، وقاعة صلاة بسيطة للغاية (كانت مبنية إما بالقصب وإما باللبن). ولا يقل القصر بساطة عنها ، إذ بني بهذه المواد ذاتها. ولعل الاقتباسات المستمدة من قصور الحيرة القديمة قد أضيفت مع باب خشبي كبير. وما تبقى من الأسس السابقة للعصر الأموي يطرح مشكلة حقيقية : هل كان ذلك في عصر زياد أم في عصر سعد؟ لكنّ الإطار كان مسطّرا ، وكانت الفكرة واضحة ، فهي تتمثل في توأمة ممتازة بين المعبد والقصر ، وسط مساحة عمومية كبرى ما زالت منيعة عن البناءات الخاصة.
الرحبة والسوق والآري :
هناك ثلاثة عناصر أخرى تشكل المساحة المركزية. أولا الرحبة ، وهي كلمة بقيت شائعة في لغة المدينة العربية المعاصرة [٤] ، توحي بالاتساع ، والمكان الخالي ما عدا بعض المناسبات ، في المجال المدني. وهي ملاصقة هنا للقصر والمسجد من جهة اليمين ، في اتجاه القبلة (تقع في رسمنا يسارا). وقد بين سيف ذلك قائلا : «ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه إلى منتهى القصر يمنة على القبلة ثم مدّ به
[١] محمد علي مصطفى ، مرجع مذكور ، ص ٥٨.
[٢] الجنابي ، ص ١٤١.
[٣] بخصوص المسجد : سيف برواية الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٥ ، قدر طول الظلّة ب ٢٠٠ ذراع أي ما يزيد قليلا عن ١٠٨ أمتار. وهذا قياس لا علاقة له برمية السهم. لكنه مطابق لما توصلت إليه التنقيبات الأثرية من نتائج : ١١٠ أمتار لحائط القبلة ، و ١٠٩ م لحائط الشمال ، و ١١٦ م لحائطي الشرق والغرب. راجع في هذا الخصوص : وثائق مديرية الآثار ، بغداد ، ص ١٠. الذّراع هنا لا يمكن إلّا أن تكون الذراع السوداء المقدرة ب ٤٥ سم :.Hinz ,op.cit.,p.١٦.
[٤] قارن برحبة الغنم في تونس. وقد لاحظ البراقي أن في المدن العربية فسحات تسمّى صفوة ، أو صفاوة ، أو مناخة : التاريخ ، ص ١٢٠.