نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٥٢ - ٣ ـ إنهاء فتح العراق وتنظيم السواد
روى سيف أن «كل المسلمين فارس مؤد» [١]. وذلك قد يعني أن المشاة ينتمون إلى صفوف الأساورة والحمراء. وبقي سعد مع أكثر الجيش ، في المؤخرة على عادته ، لكنه كان يلحق بانتظام بالمقدمة.
تكللت المرحلة الأولى في نرس [٢] بنصر صغير على بصبهري. وفي بابل وهي المرحلة الثانية تجمعت بقايا القادسية ممن أفلت من القتل مع قادتهم وهم : النخيرجان ، ومهران الرازي ، والهرمزان ، والتحق بهم بصبهري ، وتولى عليهم الفيرزان قائدا أعلى ، وكان سابقا منافسا لرستم [٣] ، واتضح بذلك العزم الفارسي على التصدي. ولم يعتقد زهرة أنه كان يستطيع هزمهم بمفرده ، فطلب المدد من سعد الذي وجه إليه عبد الله وشرحبيل ، ثم هاشما مع باقي الجيش الذي وصل بعد أن تم النصر [٤]. كان نصرا سريعا ، تفرق بعده أكثر القادة الفرس ، فجارى كل واحد منهم أطماعه أو انساق وراء المصلحة المحلية للإقليم الذي كان يمثله. فعاد الهرمزان إلى الأهواز ، ورجع الفيرزان إلى نهاوند لاستغلال موارد هذا الإقليم. وبقي النخيرجان ومهران وحدهما للدفاع عن المدائن [٥]. ويدل تفكك القيادة هذا على عدة عوامل ، منها أن السلطة الملكية تلاشت تماما أو كادت ، وأن الاقليمية عادت إلى الظهور في عالم إيراني منحلّ مهدد ، وقد تأكدت دون شك حال انفجار أزمة الخلافة على الملك ، وبلغت طلائع الجيش العربي بهرسير غرب دجلة بعد صدام قصير في كوثى. وتجدد المشهد ذاته في مواطن القتال الأخرى إذ حالما وصل زهرة مع مقدمة الجيش إلى ساباط ، طلب دهقانها الصلح ، بعد أن قضى زهرة على الكتيبة الخاصة لكسرى بوران ، ولحق به هاشم وخاض القتال [٦] ، وأخيرا وصل جميع الفرسان المرافقين لسعد أمام بهرسير وضربوا عليها حصارا دام شهرين (أواخر سنة ١٥ وبداية سنة ١٦ من الهجرة) [٧]. وخلال هذا الحصار اكتسح الجيش العربي السواد فيما بين الفرات ودجلة ، ولعل الاتفاق قد تم أثناءه بخصوص وضع الفلاحين وأراضي هذه المنطقة.
[١] المرجع نفسه ، ج ٣ ، ص ٦١٩.
[٢] خليفة بن خياط ، التاريخ ، ج ١ ، ص ١٠٣ ، لا برس بالباء كما جاء بطبعة القاهرة ل تاريخ الطبري ، ج ٣ ، ص ٦١٩. ذكر خليفة أن الطريق المسلوكة هي نرس ـ دير كعب ـ كوثى. وقد ذكر البلاذري مرتين كوثى وساباط : فتوح البلدان ، ص ٢٦٢ ـ ٢٦٣ ، لكن لم يتحدث أي واحد منهما عن بابل.
[٣] الطبري ، ج ٣ ، ص ٦٢٠.
[٤] المرجع نفسه ، ج ٣ ، ص ٦١٩.
[٥] الطبري ، ج ٣ ، ص ٦٢٠. في الامكان أن يكون لكل قائد جيش خاص به.
[٦] الطبري ، ج ٣ ، ص ٦٢٢ ـ ٦٢٣ ؛ فتوح البلدان ، ص ٢٦٢.
[٧] الطبري ، ج ٤ ، ص ٥ ؛ فتوح البلدان ، ص ٢٦٢ ، حيث جاء في رواية غير مقبولة أن الحصار استمر مدة تتراوح بين تسعة أشهر وثمانية عشر شهرا. والملاحظ أن الملك كان بالمدائن آنذاك.