نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١١٢ - ٧ ـ بنية المجال الداخلي المدار المركزي
الكلاسيكية ، ووظائف الرّحبة الإسلامية ، إذا سلمنا بوجود اقتباس ما؟ كان للأغورا اليونانية في الفترة العتيقة وظيفة تجارية ، وأضافت الأغورا في الفترة الكلاسيكية إلى ذلك ، وظيفة سياسية. فأصبحت المجال الحيوي للعلاقة الاجتماعية ، ومكانا للمداولات والمناقشات. لكن رحبة الكوفة ، ورحبة بغداد بدرجة أقل ، لم تكن امتدادا للسوق ، ولا ساحة سياسية ، ولا حتى مكانا للمداولات : إنّ صمت المصادر العربية عن هذا الموضوع ناطق مبين. لقد كان القصر يجمع في قبضته قوة القمع والقرار ، فكان في بداية الأمر يوظف الرّحبة إما لجمع رجاله ، وإما لإظهار قوته عبر الاستعراضات العسكرية. أما المسجد ، فكان يجمع طيلة القرن الأول الهجري ، النقاش السياسي الديني ، لا كاختيار أصلي متجذر [١] ، إذ كان موكولا للتعبد قبل كل شيء ، بل كعادة مكتسبة. كان النقاش يدور في المسجد والقوم جلوس ، لا وقوفا أو متجولين في الرّحبة. ثم بعد ذلك وجد التحريض الكلامي والمسلّح نقطا للارتكاز في الجبانات [٢] ، تلك الأشكال الأخرى المنبثة للرّحبة ، كما في الكناسة ، ذلك المكان الرفيع الآخر لحرارة العلاقة الاجتماعية المستمرة.
السوق :
كانت السوق عنصرا أساسيا ثانيا في المساحة المركزية ، إلى جانب الرّحبة وكانت مثلها محيطة بالمركّب الأثري «المعلمي» المتكون من القصر والمسجد. وقد أسقطت منذ البداية على مخطط المدينة ، بعد أن استنبطتها مخيلة المخططين. إن السوق عنصر من الحياة الجماعية وجزء من المساحة العامة. كانت مستقلة وجهازا قائما بذاته متميزا عن المسجد ـ خلافا لتقاليد الشرق القديم. لكنها كانت قريبة منه وحدّد موقعها في الجوار المباشر للمسجد ، هذا الجوار الذي استمر في كل بنية مدنية إسلامية ، في حين أن القصر هاجر إلى القصبات الخارجية أو إلى محلات للإقامة في الضواحي. إن المهم في هذا المجال أن نؤكد تعمد تهيئة الموقع الخاص بالسوق [٣]. فلم تنشأ السوق كإفراز لحاجات التبادل والاستهلاك في المدينة ، أي نشوء عفويا ، بل كان وجودها إراديا محدد الموقع. وأن تكون بسيطة جدا أو حتى غير متميزة داخليا في الأول ، فلا يزيد هذا على أن يكون أمرا طبيعيا. الحقيقة أن عالم التجار
[١] هذا رأي لامنس الذي أنكر صبغته الدينية. راجع : Lammens, Etudes sur le sie ? cle des Omayyades,. Beyrouth, ٠٣٩١.
[٢] راجع بحثي المذكور سابقا ، في مجلةJESHO ، وكذلك مادة «الكوفة» ، في.E.I / ٢
[٣] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٧ ؛ اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص ٣١١.