نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٨٥ - ٦ ـ الكوفة الأولى هل كانت مجرد معسكر أم مدينة حقيقية؟
من لبن ، على أنّ ماسينيون يماثلها بصفوف الخيام [١]. وأخيرا ، لم تشيد الكوفة حقا إلا في العصر الأموي ، خلال ولاية زياد ، حيث استخدم الآجر المعهود في بلاد الرافدين. هذا التصور جذاب حقّا وهو تصوّر تحتل فيه لوازم البناء مكانا مهما في بلورة الكوفة وتحولها إلى مدينة ، كما أن واقع الترحال العسكري يخول إضفاء صفة المعسكر والمدينة ـ المعسكر على الكوفة. وتؤيد هذا التصور القريب من المعقول إشارة وردت لدى البلاذري وجاء فيها أن أهل البصرة ، كانوا في بداية الأمر يقلعون خصاص القصب قبل الخروج إلى القتال [٢] ، ويتحدث ابن سعد من جهته في خصوص الكوفة عن الخيام وأهل الخيام كما ورد أنّ أغلب سكان الكوفة كانوا يسكنون بيوت القصب [٣]. إلّا أننا لا نعثر على أي أثر في أقدم النصوص ، نعني سيفا كما رواه الطبري [٤] ، لوصف مثل هذه الطريقة البطيئة المتسقة المتبعة في بناء الكوفة قبل ولاية زياد ، أي الكوفة كما كانت في خلافة عمر ، ولم نجد أثرا لذلك في فتوح البلدان للبلاذري [٥]. وتعتمد هذه الصورة تماما على خبر عارض رواه ياقوت وانفرد بروايته (القرن السابع / القرن الثالث عشر [٦]. يتحدث ياقوت بالخصوص عن خصاص من قصب كانت تقتلع في كل حملة ، حين كانت النساء ترافق المقاتلة إلى الحرب ، كما يتحدث عما سنه الوالي المغيرة بن شعبة من تغيير (دون تحديد للتاريخ ، ٢٢ ـ ٢٤ ه. أو ٤١ ـ ٥٠ ه في خلافة معاوية؟) [٧] لكن مقولة ياقوت عن الكوفة ، ومقولته عن البصرة أيضا ، اقتبستا أغلب موادهما عن البلاذري. فما هو مصدر هذه الزيادات؟ سبق لصالح العلي أن لاحظ أن مصدر الفروق الطفيفة الموجودة بين البلاذري وياقوت بخصوص البصرة ، يتمثل في تآليف مفقودة ، منها كتاب الساجي خاصة [٨]. لكن ما الرأي بشأن
[١] يتحدث ماسينيون بعد ذلك عما ذكره سيف من مناهج ورواه الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٥ ، وسنرى ذلك ، فيقول إنها عبارة عن صفوف من الخيام. ثم يقول : «إن القائمة الوحيدة المتوفرة بخصوص صفوف المساكن يرجع عهدها إلى الفترة الأولى. كان التصفيف ينطلق من الجامع. ويشمل خمسة عشر منهجا (يعني صفوف الخيام) كما حددها سعد للقبائل» :.Massignon.pp.٤٤ ـ ٥٤. وقد أكد الشيخ علي الشرقي الشيء نفسه ، واقتبس عنه البراقي ، ص ١١٧.
[٢] فتوح البلدان ، ص ٣٤٢.
[٣] الطبقات ، ج ٦ ، ص ٦ و ٧.
[٤] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٠ ـ ٤٨.
[٥] فتوح البلدان ، ص ٢٧٤ ـ ٢٧٧.
[٦] معجم البلدان ، ج ٤ ، ص ٤٩١.
[٧] يقع اختيار علي الشرقي وماسينيون على الفترة الأولى :.Massignon ,op.cit.,p.٨٣.
[٨] التنظيمات ، ص ٢٣ ؛ أعاد العلي إلى الأذهان ضمن ما ذكره من مصادر ، مرجع مذكور ، ص ١٥٠ ، أن مصدر البلاذري الرئيسي في خصوص الكوفة هو أبو مسعود الكوفي الذي لم يعثر له على ترجمة في أي كتاب ، لكن يبدو أنّه عاش في بداية القرن الثاث الهجري. ويعود الخبر الذي رواه ياقوت إلى إبن عباس ، دون سند وسيط : انظر