نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٢٩٨ - ٢١ ـ رجوعا إلى التقاليد العربية الجبّانات والصحاري
من قريش والأنصار وثقيف. ومنهم كانت الجماعة السياسية الحاكمة والعسكرية والدينية ، وهي في القمة تمسك بزمام السلطة العليا والسلطة الحكومية في الكوفة. وكانت جماعة قليلة العدد ، لكن انضمت إليها قبائل وعشائر بدوية الأصل ، بفضل أحلاف قديمة أو حديثة أبرمها الرسول معهم. لنذكر كنانة وخزاعة ومزينة وجهينة [١]. وكان لوجود شخصيات معتبرة أمسكوا بزمام سلطة القرار (سعد والمغيرة وزياد والحجاج) ، أن بدا تأثيرها واضحا على الصعيد التمصيري. إذ نحت أفرادها وجه الكوفة ، بصفتهم رجالا مسؤولين عن جماعة يعملون فيها طبق اختبارات مدبرة وبعد التروي فيها ، وهم في هذا منفتحون على جملة من الآفاق الثقافية ، أكثر مما كانوا ممثلين لنوعية معينة. لكن هذه النوعية كانت موجودة كتقليد حضري عربي أصيل يختلف عن تقليد الحيرة وتقليد اليمن.
لقد رأينا أنّ مكة تميزت بحيّزها المقدس أي الحرم ، بمسجدها وأماكنها التي يجتمع فيها الأشراف والمعروفة بالنوادي وبتكاثر منشآتها المعدة للاستقبال ودورها الجماعية (دار السقاية مثلا) [٢]. وكانت الطائف تعرف بسورها المتقن الذي وقف عرضة في سبيل تقدم الرسول نفسه [٣] واختط الرسول أول مسجد للإسلام في يثرب ، فكان نموذجا قيست عليه كل المساجد الأحرى ، وأدخل ضمنيا مبدأ التخطيط والاقطاع بالنسبة للأراضي والأملاك الفردية [٤]. كانت المدينة بلا شك مرحلة أساسية فتحت للسلطة القدرة على القيام بالمبادرة التنظيمية [٥]. ولا شك أن الحاكمين استفادوا من مخزون الخبرات هذا.
ـ يمثل اليمنية ثالث هذه العوالم وقد كانوا حاضرين حضورا مكثفا في الكوفة ، وكانوا الورثة المتأخرين لحضارات متكاملة عرفت نظام الدولة والكتابة والري والمدينة. وقد عاش اليمن انهيار الأسر المالكة الأخيرة التي حكمته وعاش تفكك قواعد حضارته ، خلال المرحلة المتأخرة من وجوده التاريخي. فتمخضت عن هذا الأمر هجرات متوالية واحتلالات خضع لها ، فخضع لاحتلال الفرس والأحباش ، ويحدونا الشعور أن اليمن كان مجالا لدفع بدوي قوي ، وأن القبائل المعتبرة قبل الإسلام كانت متأثرة بالبداوة شديد التأثر منها همدان
[١] كتاب الاشتقاق ، ص ٢٨٥. ولا سيما اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص ٣١٢.
[٢] C. E. Bosworth,» The terminology of history of the Arabs in the Jahiliyya according to Khwa razmi\'s» Keys of theSciences «Goitein Festschrift, pp. ٧٢ ـ ٣٤, (القدس ، ١٩٨١). انظر : دار سقاية الكوفة ، الطبري ، ج ٦ ، ص ٢٧٣.
[٣] فتوح البلدان ، ص ٦٧ ـ ٧٠.
[٤] السيرة ، ص ٣٣٣ وما بعدها ؛ فتوح البلدان ، ص ٢٦ ـ ٢٨ ؛ لسان العرب ، مادة قطيعة.
[٥] بنى بها الرسول المسجد باللبن والحجر وسعف النخيل وجذوعه وأنشأ في يثرب السوق وخص الخيل بمجال عرف بالحمى : فتوح البلدان ، ص ٢٠ ، ٢٢ ، ٢٨.