نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١١٤ - ٧ ـ بنية المجال الداخلي المدار المركزي
احتله باعة الصابون والتمر آنذاك ، كما قال [١]. ولا يعني ذلك حتما أن هذا المجال قد احتله الباعة في بداية الأمر. لكن هناك احتمالات وتخمينات في هذا المعنى. أما اليعقوبي فقد ذكر عبارة رئيسة [٢] أوردها حرفيا حفاظا على ما اكتنفها من لبس : «وجعلت السوق من القصر والمسجد إلى دار الوليد إلى القلّائين إلى دور ثقيف وأشجع».
وما نجهله في هذه المعادلة هو دار الوليد. وباستقراء النصوص ، تكون هذه الدار في قلب سوق القصارين [٣] ، كعلامة معروفة تكاد تكون استثنائية من حيث موقعها وضمن المساحة المركزية قطعا ، وقد أحاطت بها هذه السوق ، لكنها غير بعيدة عن سوق السراجين [٤]. وباستثناء هذه الاعتبارات ، فأين يكون موقعها؟ هل يكون بين المسجد والحدود الشمالية للمساحة ، أم إلى الشرق ، أم إلى الزاوية الشمالية الشرقية ، أم إلى الشمال الغربي؟ لا يمكننا الاختيار بين هذه المواقع. على أن معرفتنا بأن «دور ثقيف وأشجع» تقع إلى شمال الصحن ، بالاعتماد على قائمة توزيع القبائل المنسوبة إلى سيف ، مع اتجاه إلى الشرق (ارجع إلى الخارطة) ، تجعل المشكلة تتمثل في معرفة ما إذا صممت السوق على شكل سوق ـ شارع حيث تتوالى الاختصاصات ، الواحد تلو الآخر ، أو على شكل مركّب متشعب ينتشر على مجال واسع. وبذلك تشكل العلامات التي وضعها اليعقوبي ـ وهي المسجد ودار الوليد والقلاؤون وخطط ثقيف ـ في الصورة الأولى مراحل تقع على الخط نفسه. ونحن نعلم أن السوق الكبيرة ، أو ما سيصبح كذلك تمتد على سكة مركزية طويلة ، وهذه خاصية أساسية تميزت بها حواضر إسلامية عديدة. أما الصورة الثانية التي تكتسي في نظرنا صبغة منطقية أكثر ، فتحدد بعلامات رسمها اليعقوبي وتتمخض عن مجال ممتد مثلث الشكل أو مستطيله. وقد اعتمد ماسينيون هذا الحل بالذات بصورة ضمنية [٥] ، وترجم قول اليعقوبي كما يلي : a ? partir du Qasr et du Ja ? mi, d\'un co ? te ? jusqu\'au Da ? r Wali ? d ـ b ـ Uqba, de l\'autre jusqu\'aux Qalla\' ? yin, et de l\'autre jusqu\'aux habitations des Tha ـ qif et Ashja».
وبما أن الخط الرابط بين المسجد والقصر وثقيف معروف (اتجاه شمال / شمال شرقي) ، فإن هناك نقطتين تتعارضان حتما ، الواحدة في الشمال الغربي والثانية في الجنوب الشرقي ،
[١] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٤.
[٢] كتاب البلدان ، ص ٣١١.
[٣] صارت في العصر العباسي «دار القصارين» : ابن سعد ، الطبقات ، ج ٦ ، ص ٢٤ ؛ الطبري ، ج ٤ ، ص ٥٣٢ وج ٦ ، ص ٨٩.
[٤] أخبار الدولة العباسية ، ص ٢٦٠.
[٥] Massignon ,op.cit.,p.٩٤.