نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١٠٨ - ٧ ـ بنية المجال الداخلي المدار المركزي
ذلك العصر (٢٥٢ / ٨٦٦). وقد أشير إلى وجود رحبة بني تميم [١] في البصرة أيضا ، ورحبة القصابين كذلك [٢]. وما يهمّنا أكثر هو ما ورد عند الطبري من إشارات متفرقة عن رحبة الكوفة. إنّ الإشارتين الواردتين عنده إلى المصطبة [٣] تدلّان على أن هذه المنصة بناية ثابتة وأنّها قريبة من القصر ، لا على أنها تقع في الرّحبة وهو افتراض لا غير. أمّا الرّحبة فقد وقع التلميح إليها بكامل الوضوح عند دخول شبيب إلى الكوفة (٧٧ / ٦٩٦) ، لكن دون أي تحديد لموقعها. وخلافا لذلك ، يتوفر لدينا نص ينير لنا السبيل جيدا بالنسبة لعصر لاحق [٤] (١٥٩ / ٧٧٦). فماذا يقول؟ يفيدنا أنّ الرّحبة التي تسمّى رحبة المسجد ، كانت موجودة خارج المسجد ، لكن بعد الأبواب مباشرة (ولعلها امتدت آنذاك إلى الجانب الغربي ، لأننا لا نتصور أبوابا تفتح على حائط القبلة). كانت تستخدم كمصلى ، بمعنى أنها كانت موضعا للصلاة في الهواء الطلق. فظهرت بمظهر المكان الملحق ، وكامتداد للمسجد. ومع ذلك ، فقد بقيت مستقلة خارجية عن المسجد حقا. لم يكن لأحد حق إدخال رحائله إليها يوم الجمعة ، ما عدا عيسى بن موسى الذي أقلق من أجل هذا الأمر ، لكن لأسباب سياسية. ولا شك أن هذا النص يصوّر لنا فترة متأخرة ، وزمانا ضاق المسجد فيه كثيرا على السكان ، كما تغيرت فيه أمور عدّة في حياة الكوفة. والأرجح أن الرّحبة كانت ساحة واسعة في الأصل ، محيطة بالقصر والمسجد وكانت تقوم بدور غير واضح في بداية الأمر ، لكنها كانت لا محالة فضاء ضروريا للمرور بين المسجد وخطط القبائل البعيدة عنه. فالنص الذي بين أيدينا واضح وهو يذكر أن «أفواه السكك» كانت تبدأ حيث تنتهي الرّحبة [٥]. هنا كانت تتقاطر أفواج الفرسان القادمين للصلاة ، من جهة المسجد. ولا شك أنهم كانوا يربطون بها أفراسهم قبل الدخول إلى المسجد ، ولعل سلوك عيسى بن موسى الذي ينمّ عن روح امتياز وتكبر ، أراد إحياء عمل قديم صار باليا بتطور الزمن. أما من جهة القصر ، علما بأنّ الرّحبة كانت تمتد إلى الجنوب الغربي ، فقد رجح المظهر العسكري السياسي ، ونشر جهاز الحكم مباهجه فيها. وعلى هذا ، يتمثل دور الرّحبة إجمالا في قطبين نفعيين جدا. ثم إن كفة المسجد رجحت بمرور الزمن ، فلم تبق سوى رحبة المسجد ، التي تحولت هي ذاتها إلى مسجد.
إن المقارنة بمدينة بغداد في عصر المنصور ، سوف تخولنا مزيدا من التدقيق في وظيفة الرّحبة ، بحيث نتجاوز نص سيف. نجد في هذا المجال معلومات دقيقة عند اليعقوبي [٦] ،
[١] المرجع نفسه ، ج ٥ ، ص ٥١٨.
[٢] المرجع نفسه ، ج ٥ ، ص ٥٠٦.
[٣] الطبري ، التاريخ ، ج ٦ ، ص ٤٧ وج ٥ ، ص ٢٤١. أخطأ ماسينيون في المراجع.
[٤] المرجع نفسه ، ج ٨ ، ص ١٢٢.
[٥] الطبري ، ج ٨ ، ص ١٢٢ ؛ وأنساب الأشراف ، ج ٥ ، ص ٢٣٩.
[٦] كتاب البلدان ، ص ٢٤٠. يبدو أنه كان للرّحبة موضع مركزي ، وأنها كانت محاطة دائريا وعن بعد دون شك ،