الأجوبة النجفية في الرد على الفتاوي الوهابية - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٥٦ - الأمر الثاني في شد الرحال والسفر لزيارة القبور
هذا وقد ذكر صاحب الصارم المنكي عن بعضهم أنّ هذا الحديث ونحوه خرج مخرج نهيه عن اتخاذ القبور مساجد وغيره. وكل ذلك لئلا يحصل الافتنان بالقبور ويتخذ العكوف عليها وجعلها عيدا ذريعة إلى الشرك. ولا يخفى أن ما ذكره على فرض تسليمه إنما كان في صدر الإسلام وابتداء أمره ونشأته، كما يدل على ذلك قوله (ص): (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا: هجرا)[١].
وعل كل حال فيتأتى في هذا الحديث ما مرّ في الحديث الذي قبله من المناقشة في دلالة النهي على التحريم وغيرها، وأما الاستدلال على التحريم بأن السفر للزيارة بدعة لم تصدر من صحابي ولا تابعي فأمر عجيب وبناء غريب ما كنت أحسب (وإن كنت كلما عشت أراك الدهر عجبا) أنْ يصدر مثله من هؤلاء الأفاضل شيوخ الإسلام وأئمة الدين شكرت مساعيهم فقد أراحوا المسلمين من تكلّف نفقات جملة من سبل الخير وطرق البر والإحسان، فإن الصحابة والتابعين لم يبنوا منزلًا للمسافرين ولا قنطرة للعابدين ولا مدرسة للعلوم ولا مستشفى للمرضى ولا سقاية للعطشى ولا ولا فهذه كلها لم يفعلها أحد من الصحابة ففعلها بدعة حرام والإعانة عليها إعانة على الآثام بل الواجب هدمها كما تُهْدَم القبور والقباب بل وجودها مما يوجب تعظيم بانيها في نفوس من ينتفع بها ويراها بل ينبغي أنْ لا يتركوا على وجه الأرض مهما استطاعوا أمراً عظيماً صنعه أحد المخلوقين لأن وجود ذلك يوجب حصول الإشراك في بعض الناس، والموحد الحقيقي كهؤلاء لا يشرك ولا يدع شيئاً موجوداً يدعو غيره إلى الشرك، وهذا منهم نوّر الله أفكارهم ورزقهم معرفة التوحيد ناشئ من مزيد احتياطهم في الدين وشدة ورعهم في الاجتناب عن الشبهات ولعلهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يلبسون ولا ولا إلا كما يفعل الصحابة والتابعون يسيرون سيرهم ويتعيشون تعيشهم وإذا جهلوا شيئاً من ذلك ولم يعلموه أعرضوا عنه وتركوه كما نقل
[١] مسند أحمد بن حنبل: ٥/ ٣٦١.