الأجوبة النجفية في الرد على الفتاوي الوهابية - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ١٤٣ - مسألة بناء القبور
وثالثاً: إن للقبور أحكاماً وللمساجد أحكاماً فلا يجوز أن يَتخذ المسجد قبوراً، كما لا يجوز أن تتخذ القبور مسجداً فإن لكلٍ أحكاماً لا يجري على الآخر.
قال: وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج إلى آخره[١]. وقد أجاب العلماء عنه بأضرب عديدة منها أن القبور التي أرسل إليها أبو الهياج هي قبور المشركين، وإن المراد بالتسوية إزالة الشرافات قال: فأفيدونا من شرع البناء على القبور.
أقول: البناء على القبور ليس من الأمور الدينية كزيادة في فريضة أو نقص منها أو تشريع إيجاب أو تحريم وإنما هو من الأمور المباحة التي تتبع قصد الفاعل فإنْ قصد به أمراً محبوباً كان مستحباً، وإنْ قصد أمراً مبغوضاً للمولى كان محرّماً، وإنْ قصد أمراً مباحاً كان مباحاً فهو كبناء مدرسة أو حجرة أو دار أو غيرها فلا يعترض الباقي فيقال له: أفدنا من شرع بناء المدارس ومن شرع بناء القصور على الأنهار، وليس مثل ذلك من البدع المحرّمة، فإن وجود القبر بإزاء البناء لا يوجب تحريمه ولا تهديمه فليفدنا حضرة القاضي الفاضل من شرّع هدم أبنية المسلمين وعماراتهم التي حول القبور وإتلاف أموالهم ما تعاقبوا وتناسلوا؟ ومن أوجب من السلف الصالح والصحابة الراشدين فليفدنا بذلك وله الأجر؟.
ثم أنه ذكر بعد ذلك ما ورد مما ظاهره حرمة اتخاذ قبور الأنبياء مساجد وقد أجابوا عن ذلك في الرسائل بوجوه كثيرة مع أنه من المعلوم أن ذلك لا دخل له بمسالة مطلق البناء على القبور، فإن المنهي عنه اتخاذها مسجداً ولم يَبْنِ أحد من المسلمين على قبر مسجداً ولا لأن يتخذ مسجداً فإن المساجد عندنا لا يجوز الدفن فيها، وجميع القبور التي عليها أبنية وقباب تدفن فيها الأموات ويدخل إليها الجنب والحائض والنفساء والأعيان النجسة اللهم إلا قبور الأنبياء والأئمة احتراماً وإجلالًا لأنها من بيوت الله.
[١] ينظر: صحيح مسلم/ مسلم بن الحجاج القشيري: ٢/ ٦٦٦.