تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٥١
في صفة الناصح، و هذا من أحسن ما يدل علي ما ينبغي ان يجتنب من الكلام.
و في الكلام حذف، و تقديره أ يحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتاً فيقولون: لا، بل عافته نفوسنا، فقيل لكم فكرهتموه، فحذف لدلالة الكلام عليه. و قال الحسن:
معناه فكما كرهتم لحمه ميتاً فاكرهوا غيبته حياً، فهذا هو تقدير الكلام.
و قوله (وَ اتَّقُوا اللّهَ) معطوف علي هذا الفعل المقدر، و مثله (أَ لَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ وَ وَضَعنا عَنكَ)[١] و المعني أ لم نشرح، قد شرحنا فحمل الثاني علي معني الأول، لأنه لا يجوز ان يقول أ لم وضعنا عنك.
ثم قال (وَ اتَّقُوا اللّهَ) باجتناب معاصيه و فعل طاعاته (إِنَّ اللّهَ تَوّابٌ) أي قابل لتوبة من يتوب اليه (رحيم) بهم.
ثم قال (قالَتِ الأَعرابُ آمَنّا) قال قتادة: نزلت الآية في اعراب مخصوصين انهم قالوا (آمنا) أي صدقنا باللّه و أقررنا بنبوتك يا محمّد، و كانوا بخلاف ذلک في بواطنهم، فقال اللّه تعالي لنبيه (قل) لهم (لم تؤمنوا) علي الحقيقة في الباطن (وَ لكِن قُولُوا أَسلَمنا) أي استسلمنا خوفاً من السبي و القتل- و هو قول سعيد بن جبير و إبن زيد- ثم بين فقال (وَ لَمّا يَدخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُم) بل أنتم كفار في الباطن. ثم قال لهم (وَ إِن تُطِيعُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ) و ترجعوا إلي ما يأمرانكم به من طاعة اللّه و الانتهاء عن معاصيه (لا يَلِتكُم مِن أَعمالِكُم شَيئاً) أي لا ينقصكم من جزاء أعمالكم شيئاً (إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي ساتر لذنوبهم إذا تابوا رحيم بهم في قبول توبتهم.
ثم وصف المؤمن علي الحقيقة فقال (إنما المؤمنون) علي الحقيقة (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ) و صدقوا و أخلصوا بتوحيده (و رسوله) أي و أقروا بنبوة نبيه
[١] سورة ٩٤ الانشراح آية ١- ٢