تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٩٣
به من طاعة اللّه و اجتناب معاصيه.
و الثاني- عرفها لهم بمعني طيبها بضروب الملاذ، مشتقاً من العرف، و هي الرائحة الطيبة الّتي تتقبلها النفس تقبل ما تعرفه و لا تنكره. و قال ابو سعيد الخدري و قتادة و مجاهد و إبن زيد: معناه انهم يعرفون منازلهم فيها کما كانوا يعرفون منازلهم في الدنيا. و قال الحسن: وصف الجنة في الدنيا لهم، فلما دخلوها عرفوها بصفتها.
ثم خاطب المؤمنين فقال (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بتوحيد اللّه و صدقوا رسوله (إِن تَنصُرُوا اللّهَ يَنصُركُم) و معناه إن تنصروا دينه بالدعاء اليه، و اضافه إلي نفسه تعظيماً کما قال (مَن ذَا الَّذِي يُقرِضُ اللّهَ قَرضاً حَسَناً)[١] و قيل معناه (تنصروا اللّه) تدفعوا عن نبيه (ينصركم) اللّه، أي يدفع عنكم أعداءكم في الدنيا عاجلا، و عذاب النار آجلا (وَ يُثَبِّت أَقدامَكُم) في حال الحرب. قيل: و يثبت أقدامكم يوم الحساب.
ثم قال (وَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بنعم اللّه و جحدوا نبوة نبيه (فتعساً لهم) أي خزياً لهم و ويلا لهم، فالتعس الانحطاط و العثار عن منازل المؤمنين (وَ أَضَلَّ أَعمالَهُم) أي أهلكها و حكم عليها بالضلال. و إنما كرر قوله (وَ أَضَلَّ أَعمالَهُم) و (فَأَحبَطَ أَعمالَهُم) تأكيداً، و مبالغة في الزجر عن الكفر و المعاصي و كرر ذكر النعيم إذا ذكر المؤمنين مبالغة في الترغيب في الطاعات. و إنما عطف قوله (و أضل) و هو (فعل) علي قوله (فتعساً) و هو اسم، لأن المعني أتعسهم اللّه و أضل أعمالهم فلذلك حسن العطف.
ثم بين تعالي لم فعل ذلک، فقال فعلنا (ذلک) جزاء لهم علي معاصيهم (بِأَنَّهُم كَرِهُوا ما أَنزَلَ اللّهُ) من القرآن و الأحكام و أمرهم بالانقياد لها، فخالفوا
[١] سورة ٢ البقرة آية ٢٤٥ و سورة ٥٧ الحديد آية ١١