تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٠٣
الي نفوسهم لعجزهم عن ذلک، فلا بد من الاعتراف بأن اللّه هو الخالق لذلك، و إذا ثبت انه قادر علي خلق الولد من النطفة وجب أن يکون قادراً علي إعادته بعد موته لأنه مثله، و ليس بأبعد منه، يقال: أمني يمني، و مني يمني، بمعني واحد، و كذلك أمذي، و مذي- في قول الفراء.
و قوله تعالي (نَحنُ قَدَّرنا بَينَكُمُ المَوتَ) فالتقدير ترتيب الأمور علي مقدار فاللّه تعالي أجري الموت بين العباد علي مقدار ما تقتضيه الحكمة، فإنما أجراه الحكيم علي ذلک المقدار.
و قوله (وَ ما نَحنُ بِمَسبُوقِينَ) أي لسنا بمسبوقين في تدبيرنا، لأن الأمور كلها في مقدور اللّه و سلطانه علي ما يصح و يجوز فيما مكن منه أو أعجز عنه. و قال مجاهد: تقدير الموت بالتعجيل لقوم و التأخير لغيرهم. و قيل (نَحنُ قَدَّرنا بَينَكُمُ المَوتَ) بأن كتبناه علي مقدار، لا زيادة فيه و لا نقصان. و يقال: قدرت الشيء مخففاً، و قدرته مثقلا بمعني واحد.
و قوله (عَلي أَن نُبَدِّلَ أَمثالَكُم) فالتبديل جعل الشيء موضع غيره، فتبديل الحكمة بالحكمة صواب و تبديل الحكمة بخلافها خطأ و سفه، فعلي هذا ينشئ اللّه قوماً بعد قوم، لأن المصلحة تقتضي ذلک، و الحكمة توجب إنشاءهم في وقت و إماتتهم في وقت آخر. و انشاؤهم بعد ذلک للحساب و الثواب و العقاب. و قيل: إن معني (عَلي أَن نُبَدِّلَ) التبدل أي لنبدل أمثالكم، و بين (علي) و (اللام) فرق، لأنه يجوز أن يقال: عمله علي قبحه، و لا يجوز عمله لقبحه. و تعليم الاستدلال بالنشأة الاولي علي النشأة الثانية فيه تعليم القياس.
و قوله (وَ نُنشِئَكُم فِي ما لا تَعلَمُونَ) معناه فيما لا تعلمون من الهيئات و الصور المختلفة، لأن المؤمن يخلق علي أحسن صورة، و الكافر علي أقبح صورة. و قيل: