تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٤٧
حروف المعجم، لأنه سمي به ليدل عليه بأوصافه، و من أوصافه أنه مفصل قد فصلت کل سورة من أختها. و من أوصافه أنه هدي و نور، فكأنه قيل: هذا اسمه الدال عليه بأوصافه. ثم وصف تعالي الكتاب بأنه تنزيل من اللّه في مواضع من السور لاستفتاحه بتعظيم شأنه علي تصريف القول بما يقتضي ذلک فيه من إضافته إلي اللّه تعالي من أكرم الوجوه و أجلها و ما يتفق الوصف فيه يقتضي انه كالأول في علو المنزلة و جلالته عند اللّه و إذا أفاد هذا المعني باقتضائه له لم يكن تكريراً، و يقول القائل: اللهم اغفر لي اللهم ارحمني اللهم عافني اللهم أوسع عليّ في رزقي فيأتي بما يؤذن أن تعظيمه لربه منعقد بكل ما يدعو به.
و قوله «مِنَ اللّهِ» يدل علي ان ابتداءه منه تعالي «العَزِيزِ» و معناه القادر ألذي لا يغالب «الحَكِيمِ» معناه العالم. و قد يکون بمعني أن أفعاله حكمة و صواب ثم أخبر تعالي ان في السموات و الإرض لآيات للمؤمنين الّذين يصدقون باللّه و يقرون بتوحيده و صدق أنبيائه و إنما أضاف الآيات إلي المؤمنين و إن كانت ادلة للكافرين ايضاً، لأن المؤمنين انتفعوا بها دون غيرهم من الكفار. و الآيات هي الدلالات و الحجج. و في السموات و الإرض دلالات علي الحق من وجوه كثيرة، منها أنه يدل بخلقها علي ان لها خالقاً، و انه قادر لا يعجزه شيء و انه مخالف لها، فلا يشبهها و علي انه عالم بما فيها من الإتقان و الانتظام. و في استحالة تعلق القدرة بها دلالة علي ان صانعها قديم غير محدث و بوقوفها مع عظمها و ثقل أجرامها بغير عمد و لا سند يدل علي أن القادر عليها قادر علي الإتيان بما لا يتناهي و لا يشبه احد من القادرين و انه خارج عن حد الطبيعة.
ثم بين تعالي ان في خلفنا آيات، و الوجه في الدلالة في خلقنا ضروب كثيرة: منها خلق النفس علي ما هو به من وضع کل شيء موضعه لما يصلح له.