تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٠٥
کان الساحر عندهم هو العالم و لم يكن صفة ذم. و قال الحسن: إنما قالوا ذلک علي وجه الاستهزاء بموسي، کما قال المشركون (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيهِ الذِّكرُ إِنَّكَ لَمَجنُونٌ)[١] و قال الزجاج: وجه ذلک انه جري ذلک علي ألسنتهم علي عادتهم فيه قبل ذلک. و قال قوم: أرادوا يا أيها الفطن يا أيها العالم، لأن السحر عندهم دقة النظر و العلم بالشيء كالسحر الحلال، يقال فلان: يسحر بكلامه.
و قال قوم: و خاطبوه بما تقدم تشبيهاً له بالساحر، فقالوا له (ادعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِندَكَ) معناه أن يا موسي ادع لنا ربك ليكشف عنا العذاب- في قول مجاهد- فانه متي كشف عنا ذلک اهتدينا و رجعنا إلي الحق ألذي يدعونا اليه. و في الكلام حذف لأن تقديره فدعا موسي و سأل ربه و ضرع اليه أن يكشف عنهم العذاب، فكشف اللّه عنهم ذلک فإذا هم عند ذلک ينكثون. و معناه ينقضون ما عقدوا علي أنفسهم. و قال قتادة: معناه يغدرون، و إنما أخبر اللّه تعالي و قص خبر موسي و ما جري له تسلية للنبي صَلي اللّهُ عَليه و آله و المعني إن حال موسي مع قومه و حالك مع قومك سواء، فاصبر إن أمرك يؤل إلي الاستعلاء، کما آل أمر موسي عليه السلام.
قوله تعالي: [سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥١ الي ٦٠]
وَ نادي فِرعَونُ فِي قَومِهِ قالَ يا قَومِ أَ لَيسَ لِي مُلكُ مِصرَ وَ هذِهِ الأَنهارُ تَجرِي مِن تَحتِي أَ فَلا تُبصِرُونَ (٥١) أَم أَنَا خَيرٌ مِن هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَو لا أُلقِيَ عَلَيهِ أَسوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أَو جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقتَرِنِينَ (٥٣) فَاستَخَفَّ قَومَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُم كانُوا قَوماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمّا آسَفُونا انتَقَمنا مِنهُم فَأَغرَقناهُم أَجمَعِينَ (٥٥)
فَجَعَلناهُم سَلَفاً وَ مَثَلاً لِلآخِرِينَ (٥٦) وَ لَمّا ضُرِبَ ابنُ مَريَمَ مَثَلاً إِذا قَومُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيرٌ أَم هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَل هُم قَومٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِن هُوَ إِلاّ عَبدٌ أَنعَمنا عَلَيهِ وَ جَعَلناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسرائِيلَ (٥٩) وَ لَو نَشاءُ لَجَعَلنا مِنكُم مَلائِكَةً فِي الأَرضِ يَخلُفُونَ (٦٠)
[١] سورة ١٥ الحجر آية ٦