المستند في شرح العروة الوثقى -ط موسسة احياء آثار - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ مرتضى البروجردي - الصفحة ١٦ - الثالث المرجعیّة العُلیا
(هی بمعنی القربة المقصود منها التقرّب إلی اللّٰه تعالی، و موردها هی: کلّ معروف علم إرادة وجوده فی الخارج شرعاً من غیر موجد معیّن) «١».
الثالث المرجعیّة العُلیا:
و الحق: أنّ المرجعیّة العُلیا تلک التی تمثِّل النیابة العامّة و إن لم تکن کالحکومة الإسلامیّة فی بسط یدها، إلّا أنّها استطاعت طوال التاریخ أن تسعی لحاکمیّة الإسلام فی أعماق المجتمع الإسلامی.
و کانت هذه المرجعیّة منذ عصر الغیبة الکبری تنوب عن الإمامة، بالنیابة العامّة. فکان الکیان الدینی الذی خلّفه الإمام الغائب، فأصدر توقیعه الشریف فیها: (و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فیها إلیٰ رواة أحادیثنا فإنّهم حجّة علیکم، و أنا حجّة اللّٰه علیکم) «٢».
و ممّا یبعث علی التفسیر و التحلیل أکثر فأکثر هو الإشعار ب (الحوادث الواقعة التی لا بدّ و أن تکون الحوادث السیاسیّة و الاجتماعیّة، و هی من أهم ما ینتاب حیاة المسلمین فی کلّ عصر، و إلّا فإنّ أحکام العبادات مثلًا لا یعنیها هذا النص، کما أنّ الاشعار بقوله: (فارجعوا فیها) إلیهم هو الذی ولّد لهم أرضیّة هذه المرجعیّة، فأطلق علیهم بعد ذلک مراجع الدِّین، تسمیة خاصّة بهم.
فالمرجعیّة المتأصِّلة کانت و لا تزال هی الحافِظَة للإسلام و کیان المسلمین، تُدافع عن حقوقهم، و ترعیٰ مصالحهم، و تدیر الحوزات العلمیّة، و مراکز التعلیم و الثفاقة، و تُعدّ الفقهاء، و النوّاب المأذونین، و مراجع التقلید، و قادة المسلمین الذین یقفون دون انهیارهم فی الفکر و العقیدة، و یدعمهم باستقلال الرأی أمام المذاهب و التیّارات، و حیال السلطات الجائرة، و الحکومات الظّالمة، یحکم فیهم بشرائع اللّٰه و سننه، و هی التی تقیم لهم الحکومة الإسلامیة العتیدة.
و أمر التقلید فی هذه المرجعیة، کان العامل الجذری فی هذه الحاکمیّة، إذ لم تُقبل أفعال
______________________________
(١) فقه الشیعة (الاجتهاد و التقلید)، تقریر آیة اللّٰه الخلخالی لأبحاث أُستاذه الإمام الخوئی.
(٢) وسائل الشیعة ج ١٨ باب ١١ من أبواب صفات القاضی ح ٩.