وسائل الشيعة ط-آل البیت - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ٥٧ - ٦ ـ باب عدم جواز القضاء والحكم ، بالرأي ، والاجتهاد
يؤل إلى ما وصفناه ؟! وزعموا أنه محال أن يجتهدوا ، فيذهب الحقّ من جملتهم ، وقولهم بذلك فاسد ، لأنّهم إن اجتهدوا فاختلفوا فالتقصير واقع بهم.
وأعجب من هذا ، أنهم يقولون مع قولهم بالرأي والاجتهاد : إنَّ الله تعالى بهذا المذهب لم يكلّفهم إلاّ بما يطيقونه ، وكذلك النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، واحتجوا بقول الله تعالى : ( وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) [٢٥] وهذا بزعمهم وجه الاجتهاد ، وغلطوا في هذا التأويل غلطاً بيّناً.
قالوا : ومن قول الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) : ما قاله لمعاذ بن جبل ، وادَّعوا أنّه أجاز ذلك ، والصحيح أنّ الله لم يكلّفهم اجتهادا ، لأنّه قد نصب لهم أدلّة ، وأقام لهم أعلاماً ، وأثبت عليهم الحجّة ، فمحال أن يضطرّهم إلى ما لا يطيقون بعد إرساله إليهم الرسل بتفصيل الحلال والحرام ، ولم يتركهم سدى ، مهما عجزوا عنه ردّوه إلى الرسول والأئمّة صلوات الله عليهم ، كيف وهو يقول : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) [٢٦] ويقول : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) [٢٧] ويقول : ( فيه تبيان كلّ شيء ) [٢٨] ؟!
ومن الدليل على فساد قولهم في الاجتهاد والرأي والقياس أنه لن يخلو الشيء ، أن يكون بمثله [٢٩] على أصل ، أو يستخرج البحث عنه ، فإن كان يبحث عنه فإنه لا يجوز في عدل الله تعالى أن يكلّف العباد ذلك ، وإن كان ممثلاً على أصل فلن يخلو الأصل ، أن يكون حرم لمصلحة الخلق ، أو لمعنى في نفسه خاص ، ( فإن كان حرم لمعنى في نفسه خاص ) [٣٠] فقد كان ذلك فيه حلالا ، ثمَّ حرم بعد ذلك لمعنى فيه ، بل لو كان لعلّة المعنى لم
[٢٥] البقرة ٢ : ١٤٤ ، ١٥٠.
[٢٦] الانعام ٦ : ٣٨.
[٢٧] المائدة ٥ : ٣.
[٢٨] النحل ١٦ : ٨٩ ونصها ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ).
[٢٩] في المصدر : تمثيلاً.
[٣٠] ليس في المصدر.