الموطا - مالک بن انس - الصفحة ٢٩ - ٦ باب جامع الوضوء
وإنا، إن شاء الله، بكم لاحقون.
وددت أنى قد رأيت إخواننا) فقالوا: يارسول الله ! ألسنا بإخوانك ؟ قال (بل أنتم أصحابي.
وإخواننا الذين لم يأتوا بعد.
وأنا فرطهم على الحوض) فقالوا: يا رسول الله ! كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك ؟ قال: (أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة، في خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله ؟) قالوا: بلى، يارسول الله ! قال: فإنهم يأتون يوم القيامة، غرا محجلين، من الوضوء.
وأنا فرطهم على الحوض.
فلا يذادن رجال عن حوضى، كما يذاد البعير الضال،
(وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) قال الامام النووي وغيره: للعلماء، في إتيانه بالاستثناء، مع أن الموت لاشك فيه، أقوال، أظهرها أنه ليس للشك وإنما هو للتبرك، وامتثال أمر الله فيه.
قال أبو عمر بن عبد البر: الاستثناء قد يكون في الواجب، لا شكا.
كقوله تعالى - لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله - ولا يضاف الشك إلى الله.
(قد رأيت إخواننا) في الحياة الدنيا، ويحتمل تمنى لقائهم بعد الموت.
(بل أنتم أصحابي) لم ينف بذلك أخوتهم ولكن ذكر مزيتهم الزائدة بالصحبة، واختصاصهم بها.
فهؤلاء إخوة صحابة، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة.
(فرطهم) يريد أنه يتقدمهم إليه، ويجدونه عنده.
يقال فرطت القوم، إذا تقدمتهم لترتاد لهم الماء وتهيئ لهم الدلاء والرشاء.
وافترط فلان ابنا له، أي تقدم له ابن.
وقيل معناه أنا أمامكم وأنتم ورائي، لانه يتقدم أمته شافعا وعلى الحوض.
(أرأيت) أي اخبرني.
(غر) جمع أغر، ذو غرة، وهى بياض في جبهة الفرس.
(محجلة) من التحجيل، وهو بياض في ثلاثة قوائم من قوائم الفرس، وأصله من الحجال، وهو الخلخال.
(دهم) جمع أدهم، والدهمة السواد.
(بهم) جمع بهيم، قيل هو الاسود أيضا، وقيل الذى لا يخالط لونه لون سواه، سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر، بل يكون لونه خالصا.
(بلى) حرف إيجاب، يرفع حكم النفى ويوجب نقيضه أبدا.
(غرا) أصل الغرة لمعة بيضاء في جبهة الفرس، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد هنا النور الكائن في وجوه أمته صلى الله عليه وسلم.
(محجلين) من التحجيل، والمراد النور أيضا.
(وأنا فرطهم) متقدمهم السابق.
(لا يذادن) لا يطردن.
أي لا يفعلن أحد فعلا يذاد به عن حوضى.
(البعير) يطلق على الذكر والانثى من الابل.
بخلاف الجمل، فإنه الذكر.
كالانسان والرجل.
(الضال) الذى لا رب له فيسقيه.
[