المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٦٢ - باب المساكنة
في هذا الفصل يحنث إذا جمعهما المكان الذى سمى في السكنى وان كان كل واحد منهما فيدار على حدة لاجل العرف فانه يقال فلان يساكن فلانا قرية كذا وبلدة كذا وان كان كل واحد منهما في دار على حدة فأما في ظاهر الرواية لا يحنث في ذلك الا أن ينويه فحينئذ تعمل نيته لما فيه من التشديد عليه وان حلف لا يساكنه في بيت فدخل عليه فيه زائرا أو ضيفا وأقام فيه يوما أو يومين لم يحنث لان هذا ليس بمساكنة انما المساكنة بالاستقرار والدوام وذلك بمتاعه وثقله ألا ترى أن الانسان يدخل في المسجد كل يوم مرارا ولا يسمى ساكنا فيه ويدخل على الامير ويكون في داره يوما ولا يسمى مساكنا له في داره فكذلك هذا الذى دخل على فلان زائرا أو ضيفا لا يكون ساكنا معه فيه فلا يحنث الا أن ينويه فحينئذ في نيته تشديد عليه فيكون عاملا ألا ترى ان الرجل قد يمر بالقرية فيبيت فيها ويقول ما سكنتها قط فيكون صادقا في ذلك ولو كان ساكنا في دار فحلف أن لا يسكنها ولا نية له ثم أقام فيها يوما أو أكثر لزمه الحنث لان السكنى فعل مستدام حتى يضرب له المدة ويقال سكن يوما أو شهرا والاستدامة على ما يستدام كالانشاء قال الله تعالى وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى أي لا تمكث قاعدا فيجعل استدامة السكنى بعد يمينه كانشائه وكذلك اللبس والركوب لانه يستدام كالسكنى فأما إذا أخذ في النقلة من ساعته أو في نزع الثوب أو في النزول عن الدابة لم يحنث عندنا استحسانا وفي القياس يحنث وهو قول زفر رحمه الله تعالى لوجود جزء من الفعل المحلوف عليه بعد يمينه إلى أن يفرغ عنه ووجه الاستحسان أن هذا القدر لا يستطاع الامتناع عنه فيصير مستثنى لما عرف من مقصود الحالف وهو البر دون الحنث ولا يتأتى البر الا بهذا ولان السكنى هو الاستقرار والدوام في المكان والخروج ضده فالموجود منه بعد اليمين ما هو ضد السكنى حين أخذ في النقلة في الحال ولو خرج منها بنفسه ولم يشتغل بنقل الامتعة يحنث عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يحنث لانه عقد يمينه على سكناه وحقيقة ذلك بنفسه فينعدم بخروجه عقيب اليمين وحكى عنه في تعليل هذه المسألة قال خرجت من مكة وخلفت فيها دفيترات أفأكون ساكنا بمكة (وحجتنا) في ذلك أنه ساكن فيها بثقله وعياله فما لم ينقلهم فهو ساكنفيها لما بينا أن السكنى فعل على سبيل الاستقرار والدوام وذلك لا يتأتى الا بالثقل والمتاع والعرف شاهد لذلك فانك تسأل السوقى أين تسكن فيقول في محلة كذا وهو في تجارته يكون