إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٢ - أما الخلافة و الإمارة فهي من أفضل العبادات
ألم تقل لي لا تأمر على اثنين،و أنت قد وليت أمر أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم؟فقال بلى و أنا أقول لك ذلك،فمن لم يعدل فيها فعليه بهلة اللّه.يعنى لعنة اللّه.و لعل القليل البصيرة يرى ما ورد من فضل الإمارة مع ما ورد من النهى عنها متناقضا،و ليس كذلك.بل الحق فيه أن الخواصّ الأقوياء في الدين،لا ينبغي أن يمتنعوا من تقلد الولايات.و أن الضعفاء لا ينبغي أن يدوروا بها فيهلكوا.و أعنى بالقوي الذي لا تميله الدنيا،و لا يستفزه الطمع و لا تأخذه في اللّه لومة لائم،و هم الذين سقط الخلق عن أعينهم،و زهدوا في الدنيا،و تبرموا بها،و بمخالطة الخلق،و قهروا أنفسهم و ملكوها،و قمعوا الشيطان فأيس منهم.فهؤلاء لا يحركهم إلا الحق،و لا يسكنهم إلا الحق و لو زهقت فيهم أرواحهم.فهم أهل نيل الفضل في الإمارة و الخلافة.و من علم أنه ليس بهذه الصفة فيحرم عليه الخوض في الولايات و من جرب نفسه فرآها صابرة على الحق،كافة عن الشهوات في غير الولايات،و لكن خاف عليها أن تتغير إذا ذاقت لذة الولاية،و أن تستحلى الجاه،و تستلذ نفاذ الأمر،فتكره العزل،فيداهن خيفة من العزل،فهذا قد اختلف العلماء في أنه هل يلزمه الهرب من تقلد الولاية.فقال قائلون لا يجب،لأن هذا خوف أمر في المستقبل،و هو في الحال لم يعهد نفسه إلا قوية في ملازمة الحق و ترك لذات النفس.و الصحيح أن عليه الاحتراز،لأن النفس خداعة،مدعية للحق،واعدة بالخير.فلو وعدت بالخير جزما لكان يخاف عليها أن تتغير عند الولاية.فكيف إذا أظهرت التردد؟و الامتناع عن قبول الولاية أهون من العزل بعد الشروع.فالعزل مؤلم.و هو كما قيل:العزل طلاق الرجال.فإذا شرع لا تسمح نفسه بالعزل و تميل نفسه إلى المداهنة و إهمال الحق،و تهوى به في قعر جهنم.و لا يستطيع النزوع منه إلى الموت،إلا أن يعزل قهرا.و كان فيه عذاب عاجل على كل محب للولاية.و مهما مالت النفس إلى طلب الولاية،و حملت على السؤال و الطلب،فهو إمارة الشر.و لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«إنا لا نولّى أمرنا من سألنا»فإذا فهمت اختلاف حكم القوى و الضعيف، علمت أن نهى أبي بكر رافعا عن الولاية،ثم تقلده لها ليس بمتناقض