إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٦ - بيان
تعاهدتموها،فكنستموها،و صليتم عندها قالوا أردنا إذا نظرنا إليها و أملنا الدنيا،منعتنا قبورنا من الأمل.قال و أراكم لا طعام لكم إلا البقل من الأرض.أ فلا اتخذتم البهائم من الأنعام،فاحتلبتموها،و ركبتموها،فاستمتعتم بها،قالوا كرهنا أن نجعل بطوننا قبورا لها و رأينا في نبات الأرض بلاغا.و إنما يكفي ابن آدم أدنى العيش من الطعام .و أيما ما جاوز الحنك من الطعام لم نجد له طعما،كائنا ما كان من الطعام.ثم بسط ملك تلك الأرض يده خلف ذي القرنين،فتناول جمجمة،فقال يا ذا القرنين،أ تدري من هذا؟قال لا،و من هو؟ قال ملك من ملوك الأرض،أعطاه اللّه سلطانا على أهل الأرض،فغشم،و ظلم،و عتا.فلما رأى اللّه سبحانه ذلك منه،حسمه بالموت،فصار كالحجر الملقى.و قد أحصى اللّه عليه عمله حتى يجزيه به في آخرته.ثم تناول جمجمة أخرى بالية،فقال يا ذا القرنين،هل تدري من هذا؟قال لا أدرى،و من هو؟قال هذا ملك ملكه اللّه بعده،قد كان يرى ما يصنع الذي قبله بالناس من الغشم،و الظلم،و التجبر،فتواضع و خشع للّٰه عز و جل،و أمر بالعدل في أهل مملكته،فصار كما ترى،قد أحصى اللّه عليه عمله،حتى يجزيه به في آخرته.ثم أهوى إلى جمجمة ذي القرنين فقال،و هذه الجمجمة قد كانت كهذين.فانظر يا ذا القرنين ما أنت صانع فقال له ذو القرنين،هل لك في صحبتى،فأتخذك أخا،و وزيرا،و شريكا فيما آتاني اللّه من هذا المال؟قال ما أصلح أنا و أنت في مكان،و لا أن نكون جميعا.قال ذو القرنين و لم؟ قال من أجل أن الناس كلهم لك عدو،و لي صديق.قال و لم؟قال يعادونك لما في يديك من الملك و المال و الدنيا،و لا أجد أحدا يعاديني لرفضى لذلك،و لما عندي من الحاجة و قلة الشيء.قال فانصرف عنه ذو القرنين متعجبا منه،و متعظا به.فهذه الحكايات تدلك على آفات الغنى مع ما قدمناه من قبل،و باللّه التوفيق تم كتاب ذم المال و البخل بحمد اللّه تعالى و عونه،و يليه كتاب ذم الجاه و الرياء