إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٧ - ثم الواعظ هو الذي يرغب في الآخرة
من عباد اللّه اترك العلم ،إذ ليس في نفس العلم آفة.و إنما الآفة في إظهاره بالتصدى للوعظ و التدريس و رواية الحديث.و لا نقول له أيضا اتركه ما دام يجد في نفسه باعثا دينيا ممزوجا بباعث الرياء،.أما إذا لم يحركه إلا الرياء،فترك الإظهار أنفع له و أسلم.و كذلك نوافل الصلوات إذا تجرد فيها باعث الرياء وجب تركها.أما إذا خطر له وساوس الرياء في أثناء الصلاة و هو لها كاره،فلا يترك الصلاة،لأن آفة الرياء في العبادات ضعيفة،و إنما تعظم في الولايات،و في التصدي للمناصب الكبيرة في العلم،و بالجملة فالمراتب ثلاث:
الأولى:الولايات،و الآفات فيها عظيمة.و قد تركها جماعة من السلف خوفا من الآفة.
الثانية:الصوم،و الصلاة،و الحج،و الغزو.و قد تعرض لها أقوياء السلف و ضعفاؤهم و لم يؤثر عنهم الترك لخوف الآفة،و ذلك لضعف الآفات الداخلة فيها،و القدرة على نفيها مع إتمام العمل للّٰه بأدنى قوة.
الثالثة:و هي متوسطة بين الرتبتين،و هو التصدي لمنصب الوعظ و الفتوى،و الرواية و التدريس.و الآفات فيها أقل مما في الولايات،و أكثر مما في الصلاة.فالصلاة ينبغي أن لا يتركها الضعيف و القوىّ،و لكن يدفع خاطر الرياء.و الولايات ينبغي أن يتركها الضعفاء رأسا دون الأقوياء .و مناصب العلم بينهما.و من جرب آفات منصب العلم علم أنه بالولاة أشبه،و أن الحذر منه في حق الضعيف أسلم،و اللّه أعلم و هاهنا رتبة رابعة،و هي جمع المال،و أخذه للتفرقة على المستحقين.فإن في الإنفاق و إظهار السخاء استجلابا للثناء،و في إدخال السرور على قلوب الناس لذة للنفس.و الآفات فيها أيضا كثيرة.و لذلك سئل الحسن عن رجل طلب القوت ثم أمسك،و آخر طلب فوق قوته ثم تصدق به،فقال القاعد أفضل.لما يعرفون من قلة السلامة في الدنيا،و أن من الزهد تركها قربة إلى اللّه تعالى.و قال أبو الدرداء ما يسرني أننى أقمت على درج مسجد دمشق أصيب كل يوم خمسين دينارا أتصدق بها.أما إنى لا أحرم البيع و الشراء،و لكني أريد أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه .و قد اختلف العلماء،فقال قوم إذا طلب الدنيا من الحلال،و سلم منها،و تصدق بها،فهو أفضل من أن يشتغل بالعبادات و النوافل .و قال قوم:الجلوس في دوام ذكر اللّه أفضل،و الأخذ و الإعطاء يشغل عن اللّه.