إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٨ - ثم الواعظ هو الذي يرغب في الآخرة
و قد قال المسيح عليه السّلام:يا طالب الدنيا ليبر بها،تركك لها أبرّ.و قال:أقل ما فيه أن يشغله إصلاحه عن ذكر اللّه،و ذكر اللّه أكبر و أفضل.و هذا فيمن سلم من الآفات فأما من يتعرض لآفة الرياء،فتركه لها أبر،و الاشتغال بالذكر لا خلاف في أنه أفضل و بالجملة ما يتعلق بالخلق و للنفس فيه لذة فهو مثار الآفات.و الأحب أن يعمل و يدفع الآفات فإن عجز فلينظر،و ليجتهد،و ليستفت قلبه،و ليزن ما فيه من الخير بما فيه من الشر،و ليفعل ما يدل عليه نور العلم دون ما يميل إليه الطبع .و بالجملة ما يجده أخف على قلبه فهو في الأكثر أضر عليه،لأن النفس لا تشير إلا بالشر،و قلما تستلذ الخير و تميل إليه،و إن كان لا يبعد ذلك أيضا في بعض الأحوال.و هذه أمور لا يمكن الحكم على تفاصيلها بنفي و إثبات.فهو موكول إلى اجتهاد القلب لينظر فيه لدينه،و يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه ثم قد يقع مما ذكرناه غرور للجاهل،فيمسك المال و لا ينفقه خيفة من الآفة،و هو عين البخل.و لا خلاف في أن تفرقة المال في المباحات فضلا عن الصدقات أفضل من إمساكه و إنما الخلاف فيمن يحتاج إلى الكسب أن الأفضل ترك الكسب و الإنفاق،أو التجرد للذكر و ذلك لما في الكسب من الآفات فأما المال الحاصل من الحلال،فتفرقته أفضل من إمساكه بكل حال فإن قلت فبأي علامة تعرف العالم و الواعظ أنه صادق مخلص في وعظه غير مريد رياء الناس؟.فاعلم أن لذلك علامات إحداها:أنه لو ظهر من هو أحسن منه وعظا،أو أغزر منه علما،و الناس له أشدّ قبولا فرح به و لم يحسده .نعم:لا بأس بالغبطة،و هو أن يتمنى لنفسه مثل علمه و الأخرى:أن الأكابر إذا حضروا مجلسه،لم يتغير كلامه.بل بقي كما كان عليه.فينظر إلى الخلق بعين واحدة.و الأخرى أن لا يحب اتباع الناس له في الطريق و المشي خلفه في الأسواق و لذلك علامات كثيرة يطول إحصاؤها.و قد روى عن سعيد بن أبي مروان قال كنت جالسا إلى جنب الحسن،إذ دخل علينا الحجاج من بعض أبواب المسجد و معه الحرس و هو على برذون أصفر.فدخل المسجد على برذونه،فجعل يلتفت في المسجد،فلم ير خلفه أحفل من حلقة الحسن،فتوجه نحوها حتى بلغ قريبا منها،ثم ثنى وركه فنزل و مشى نحو الحسن.فلما رآه الحسن متوجها إليه،تجافى له عن ناحية مجلسه.قال سعيد،و تجافيت له أيضا