إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٦ - ثم الواعظ هو الذي يرغب في الآخرة
كذلك أنتم تخرجون الحكم من أفواهكم،و يبقى الغل في صدوركم.يا عبيد الدنيا،كيف يدرك الآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته،و لا تنقطع منها رغبته.بحق أقول لكم إن قلوبكم تبكي من أعمالكم .جعلتم الدنيا تحت ألسنتكم،و العمل تحت أقدامكم بحق أقول لكم،أفسدتم آخرتكم بصلاح دنياكم.فصلاح الدنيا أحب إليكم من صلاح الآخرة.فأي ناس أخس منكم؟لو تعلمون ويلكم حتى متى تصفون الطريق للمدلجين، و تقيمون في محلة المتجبرين،كأنكم تدعون أهل الدنيا ليتركوها لكم،مهلا مهلا ويلكم ما ذا يغنى عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره،و جوفه وحش مظلم؟كذلك لا يغنى عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم،و أجوافكم منه وحشة معطلة.يا عبيد الدنيا، لا كعبيد أتقياء،و لا كأحرار كرام.توشك الدنيا أن تقلعكم عن أصولكم فتلقيكم على وجوهكم،ثم تكبكم على مناخركم،ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم،ثم يدفعكم العلم من خلفكم،ثم يسلمكم إلى الملك الديان حفاة عراة فرادى.فيوقفكم على سوآتكم،ثم يجزيكم بسوء أعمالكم و قد روى الحارث المحاسبي هذا الحديث في بعض كتبه ،ثم قال.هؤلاء علماء السوء شياطين الإنس،و فتنة على الناس ،رغبوا في عرض الدنيا و رفعتها،و آثروها على الآخرة و أذلوا الدين للدنيا.فهم في العاجل عار و شين،و في الآخرة هم الخاسرون فإن قلت:فهذه الآفات ظاهرة،و لكن ورد في العلم و الوعظ رغائب كثيرة،حتى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]«لأن يهدى اللّه بك رجلا خير لك من الدّنيا و ما فيها» و قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«أيّما داع دعا إلى هدى و اتّبع عليه كان له أجره و أجر من اتّبعه»إلى غير ذلك من فضائل العلم ،فينبغي أن يقال للعالم اشتغل بالعلم و اترك مراءاة الخلق كما يقال لمن خالجه الرياء في الصلاة لا تترك العمل،و لكن أتمم العمل و جاهد نفسك فاعلم أن فضل العلم كبير،و خطره عظيم.كفضل الخلافة و الإمارة.و لا نقول لأحد